الخميس , أكتوبر 19 2017
الرئيسية / حوادث وجرائم / الروائية البريطانية هيلارى مانتل: صنعنا أسطورة ديانا فكشَفَت زيفَنا وزيفَها معنا

الروائية البريطانية هيلارى مانتل: صنعنا أسطورة ديانا فكشَفَت زيفَنا وزيفَها معنا

 

خدعتها الصور فى المرايا المهشمة ولما خرجت من المسرح الضيق رافقتها الصور حتى أدخلتها فى نفق نفسى قبل ذلك الذى صدم سيارتها فى آخر أيام أغسطس قبل عشرين عاما.. الأساطير صور تبقى رغم كل شيء تقاوم الزمن، لأن الأساطير تصنعها الشعوب والميديا والأحلام وتلك الأشياء لا تكف عن الولع بالأساطير وصناعتها، ولذلك لم تمت ديانا وصارت أسطورتها أطول من العمر.
لكن الأسطورة ليست حقيقة، حتى ولو بدت شقراء جميلة.. وضحية. فالواقع مرهون بالحقائق ولا يعترف بالأساطير. ولا شك أن الأميرة ديانا كانت أسطورة فى حياتها ومماتها، وبعد موتها بعقدين كاملين لا تزال الأسطورة تكبر والحقائق تبتعد.

الروائية البريطانية هيلارى مانتل – الحاصلة على جائزتى البوكر والوولفهول – حاولت فك ضفائر الأسطورة الشقراء لتكشف بعض الحقائق، وتعيد قراءة القصة على مرآة الواقع، بعد عقدين من الزمان على ذلك الحادث الغامض الذى أنهى قصة حب وأعاد ترويج أسطورة كاد الطلاق الملكى يقضى عليها.

فى الاحتفال بالذكرى العشرين لرحيل ديانا بثت القنوات الفضائية أفلاما وثائقية تحاول الكشف عن الجديد فى حياة الأميرة الراحلة، لكن كل هذه الأفلام من دون قصد كانت تسعى لتثبيت صورة الأسطورة لا الأميرة. وهذا ما استفز هيلارى مانتل فكتبت مقالا (قصصيا) عن أسطورة أميرة ربما كان كاشفا ومثيرا للأسئلة، أكثر مما فعلت مقالات وتقارير أخرى صحفية ملأت الصحف والمجلات والمواقع على مدار شهر وأكثر، استعدادا للاحتفال بذكرى الرحيل.

الكاتبة البريطانية قالت بوضوح إن «هذه الأيقونة الأسطورية لا تعبر عن الشابة الحقيقية التى كانت تحمل اسم ديانا سبنسر قبل زواجها فى العام ١٩٨١».

وتتعجب مانتل كيف أنه حتى الزمن عليه أن يتمهل مع الملوك وعائلاتهم. لكن الغريب أنه فى هذه الحالة، ٢٠ عاما عادية تسللت بسرعة هاربة من عقارب الوقت.

«الأمير تشارلز تزوج منذ زمن تلك المرأة (كاميلا باركر ) التى جعلت ديانا تصف زواجها يوما ما بأنه علاقة ثلاثية، وحتى ابن ديانا الأكبر الذى كان يشبهها عندما كان طفلا، تحولت ملامحه تدريجيا إلى صورة جده الأمير فيليب.

أما ديانا فلم يطوها النسيان ولم تتحول إلى ذكرى تاريخية الطابع والتأثير كغيرها من أميرات الزمان، بل إن العالم يتحدث عنها اليوم وكأنها غادرت الحياة للتو. ولا يزال البريطانيون يتساءلون – ويتابعهم كثير من شعوب العالم – عن تلك العروس الصغيرة التى أبهرت العالم فى الثمانينات والتسعينات من القرن الماضى”.

والأسئلة كثيرة..

بالنسبة للبعض يتحول الموت إلى مجرد حالة نسبية.. فنجد بعض الموتى ينبضون بالحياة أكثر من الأحياء، بعد الرعشة الأخيرة، بل ويعيدون تشكيل أنفسهم، ويتخذون صورة أكثر سعة أو مرونة فى أحاديث الناس. وربما هذا ما فعلته ديانا بنفسها وبالعالم، كما تقول مانتل.

.«أمام كاميرات التليفزيون جلس ابنا الأميرة بعد عقدين كاملين، لنعرف منهما أنها كانت «مرحة وحنونة، كنسمة هواء منعشة» .. وهما يتحدثان بصدق لكنهما لا يضيفان جديدا عن صورة ديانا، وذلك على العكس من الشرائط الخاصة التى سجلتها ديانا مع مدرب الصوت الخاص بها، وعرضت فى فيلم وثائقى مؤخرا بعنوان : (ديانا بكلماتها)”.

جرى الإعلان عن الوثائقى على أنه يكشف حقيقة الأميرة التى تتمتع بالصدق والجرأة. لكنها ظهرت فى الفيلم بصورة مغايرة، كما ترى الروائية، فقد ظهرت متحفظة وحذرة كما لم تبد من قبل.

«كانت ترمش كثيرا وتطرف عينها وتتفادى النظر إلى الكاميرا.. تصف نفسها كمتمردة على أساس أنها كانت تحب أن تكون مختلفة عن الآخرين. حينها تود أن توقف الصورة وتقول لديانا أو لصورتها: لكن هذا ليس تمردا وإنما مجرد رد فعل! فأن تدخل فى نوبة غضب عندما تتعرض للهجر ليس بطولة».

وتعود مانتل إلى قصة حياة ديانا لتفسر ارتباك الصورة عن الأميرة بين الأسطورة التى تم تصديرها للعالم والواقع الذى عاشته ديانا فى القصر الملكي، فتصف أفراد الاسر المالكة من الأمراء والأميرات بأنهم لا يفهمون المطالبات الدائمة لهم بخفض الإنفاق والنزول إلى أرض الواقع، «لأنهم ليسوا بشرا مثلنا، ولكن بقبعات أجمل وأثمن! إنهم موجودون خارج فكرة الفائدة، موجودون بفضل حاجاتنا غير المنطقية وغير المفهومة. فلا يمكنك أن تكتب عن الأميرة ديانا مثلا من دون أن تضخم أسطورتها. فهى لم تعد موجودة كنفسها، وإنما كما صنعناها نحن. حيث جعلنا قصتها عابرة للشخصية أو الهوية تماما كالأساطير أو كما يقول عالم النفس وارين كولمان عنها (إن ديانا تبدو وكأنها صورة تبث عبر تردد أيقوني)”.

كيف تحولت إلى أسطورة

رغم أنها لم تولد لأسرة ملكية، فإن أسلافها كانوا من أصحاب النفوذ القدامي، مغروسة أقدامهم فى بريطانيا ربما أكثر من آل وندسور. وقد انضمت إلى المشهد الملكى فى زمن المصالح الشخصية ، لتجتذب الأمة البريطانية بعيدا عن قسوة صورتها التقليدية. فكانت صادقة حين قالت :”إن الشعب البريطانى بحاجة إلى من يمنحه المشاعر والحب.”

وهاهى تلك الشقراء ناعسة النظرة، جاءت لتبدو كأيقونة للحب الزوجى والأمومي، ولم تكن لها سابقة، كما تشرح مانتل..

«فكل ما كان لدينا – قبل أن يتولى تونى بلير بصورته التى تشبه أمير الأحلام رئاسة الوزراء – سلسلة من السيدات كبيرات السن، اللاتى كانت خزائنهن خلوا من المشاعر: ملكة مترددة فى أن تتنازل عن برودة الشمال حتى فى جنازة ديانا، ورئيسة وزراء كانت تلقب بالمرأة الحديدية تاتشر!

هنا كان لا بد من «اختراع» تلك الأميرة الرومانسية الأسطورية لملء فراغ ما وحسب…

فى الوثائقى الأخير، «ديانا والدتنا..»، يتحدث ابنها هارى عنها كشابة عادية فى العشرين من عمرها، لكنه سرعان ما يعدل كلماته ذاكرا أنها كانت أرستقراطية. لكن بصورة ما فإن كلماته التلقائية فى البداية كانت حقيقية”.

طفل غير مرغوب فيه

كانت ديانا فى الواقع ابنة المزارع التى تزوجت ذلك الفتى فى المزرعة المجاورة – فقد شبت بالقرب من ضيعة الملكة فى ساندرينجهام. وكابنة ثالثة للفيسكونت ألثروب، ربما كانت تمثل خيبة أمل للأسرة. فقد توفى الابن الذى ولد قبلها بعد ساعات من ولادته، وكان على سبنسر وزوجته أن يحاولا الإنجاب مرة أخرى ليرزقا بالوريث الذكر.

هنا تتذكر الروائيه نظرية الخبيرة الروحانية الكندية الشهيرة ماريون وودمان التى تقول إن الطفل غير المرغوب فيه قبل الولادة أو الزائد الذى لم يخطط له، تكون لديه صعوبة فى التجسد الواقعي: حيث يبقى كالهواء، فى مهب الأقدار ، معلقا بين الوجود الفعلى والرمزية ..

بجوار مهد ديانا – حيث تصارعت الساحرات والجنيات الطيبة وفقا للأساطير – وقفت صديقة الملكة الأم، جدة ديانا لأمها روث فيرموي. وعندما بلغت ديانا السادسة من العمر، تركت والدتها فرانسيس أسرتها الصغيرة، ووقفت الجدة فيرموى ضد ابنتها فى هذا القرار، وساعدت سبنسر فى الحصول على حضانة أبنائه الأربعة. وفيما بعد، بعد أن ترقى للحصول على لقب إيرل، تزوج مرة أخرى دون أن يخبر أسرته. ويقال إن ديانا كانت تعبر عن آرائها فى الحياه عن طريق جدتها.

وتكمل الروائية القصة قائلة: «جاء تعليم ديانا الخاص ليمنحها القليل من الاهتمامات الثقافية ويجعلها لا تشعر بافتقاد الثقافة الحقيقية. فهى فى الواقع لم تجتز أية اختبارات دراسية عامة. لكنها كانت تستطيع أن تكتب رسالة مهذبة رقيقة بيدها. ولأنها لم تكن بحاجة إلى العمل فلم يكن هجرها للدراسة يمثل مشكلة!”

فى الوثائقى «ديانا بكلماتها»، تلاحظ مانتل أن ديانا كانت تتكلم عن شعورها بالقَدَر، فتقول: “كنت أعرف.. أن شيئا كبيرا آتٍ باتجاهي. كنت أعرف أنى مختلفة عن أصدقائي.”. وتشبهها هنا بسندريللا التى كانت تخدم أسرة متوسطة، إلى أن جاءها الأمير: رجل ناضج له تاريخه الخاص. وبحسب روايتها هى نفسها، لم تكن ديانا ماهرة. ولم تكن متميزة، أو ذات ميل غير عادى للفضيلة، بل كانت «عاشقة رومانسية عادية، غير مواظبة على العمل الخيرى ، متقلبة وليست مسؤولة، مندفعة و قابلة للافتتان”.

قلب من الشمع

وتشرح هيلارى أن ما تقوله عن ديانا ليس انتقادا لها بأثر رجعي، فالأسطورة لا تنفى الحقائق الواقعة. بل تتطلب فقط «قلبا من الشمع، ثم تستطيع أن تعمل بدقة لتشكيل صورة بطلها ليناسب قدَره”.

عندما رسم الناس صورة ديانا كأميرة للحكايات ، هل كانوا يفكرون بالنسخة التى تم تهذيبها وتنقيحها منها؟! تتساءل الروائية الشهيرة.

كانت ديانا خجولة بالفعل، وبالتأكيد كانت بريئة.لم تكن قد تشكلت بعد.. كانت مثل إناء خاو ، يمكنه أن يحمل ليس فقط الوريث، ولكن أيضا توقعات الآخرين. وبعد الزواج صارت لديها قوة لم تسعَ لها أو تتخيلها. وكانت تتوقع أن يعشقها أميرها، ويحترمها ويجلها رعاياها. لكنها لم تتوقع قسوة المشهد الواقعى الذى عاشته.

بجسب قراءة مانتل لشخصية ديانا كان لديها شعور بأنها لا تصلح لغير دور الأميرة، لكنها كانت تفتقد للحس بالتاريخ الحقيقى لذلك المسرح الذى كانت مغروسة فيه، أو بحجم القوة التى سيكون لها. فى البداية قالت إنها كانت تخاف من الجماهير التى أحبتها والتفت حولها فى . ثم بدأت «تتغذي» عليها.

«زوايا» محظورة

«عندما أصبحت ديانا أشهر امرأة فى العالم، لم يكن مستغربا أن آخرين ممن حولها ستبهت صورتهم بمن فيهم الملكة نفسها ،والتى كانت جميلة فى شبابها. لكنها ربما كانت تظن أن من الوقاحة أن يهتم المرء بشكله – وهو ما سمح به لديانا بإفراط. ولم تكن علاقتها بالصحفيين والمصورين بريئة. فلم يكن م سموحا للمصورين التقاط الصور بحرية بل كان ذلك يتم وفق اتفاق دقيق لتظهر الصور الجانب «الجميل» من الأميرة وكانت هناك زوايا محظورة”.

ولأنها لم تكن تثق بنفسها ، امتنعت الأميرة عن تناول الطعام لحد الجوع الشديد، حتى أصيبت بالبوليميا وصارت تتقيأ كلما تناولت طعاما.. ففى فيلم «ديانا بكلماتها» كانت تسخر من نفسها عندما كانت صغيرة، وكانت نبرتها تتسم بالحنق وهى تتحدث عن نفسها

فى عام ١٩٩٢ انفصل تشارلز وديانا، وفى ١٩٩٦ كان زواجهما قد دفن تماما. واستأنف الأمير قصته القديمة مع المرأة التى كان يجب أن يتزوجها من البداية. وبدأت قصة أخرى بطلتها ديانا، كما تشرح مانتل. فقد كُسر القيد وفَتحت أبواب هويتها، لتعود وتتجسد فيها ذاكرة كل الأميرات الراحلات، المنفيات والمخلوعات والمغتالات بالرصاص والمقصلة.

«فى عزلتها تلك التى فرضتها عليها لامبالاة الأسرة الملكية، كانت الأميرة مهملة، مهجورة فى الحب لمصلحة كاميلا، وهنا وجدت ديانا نفسها تتماهى مع المنبوذين».

أميرة المرايا المكسورة

فى حوار تليفزيونى قبل زواجها ، تساءل الأمير تشارلز ما الذى يعنيه أن يكون المرء واقعا فى الحب! وقد وجه له اللوم منذ ذلك الحين لأنه دمر يقينا بسيطا لفتاة بسيطة. ولكن وراء الكاميرا، كانت ديانا تستعد. اختيارها لترنيمة الزفاف جعل من الزواج واجبا وطنيا، تماما مثل توقيع وثيقة إعلان الحرب.

ورغم أن ديانا قالت فيما بعد، إن يوم الزفاف كان أسوأ أيام حياتها. لكن فى ذلك الحين – يوليو ١٩٨١ – بدت ديانا سعيدة ومنتشية. وبدت المدينة كلها فى عيد حقيقي.

«خلف هذه السعادة كان الامر يتطلب كثيرا من الخبرة والعمل الشاق وراء الكواليس لتحويل سندريللا من خادمة إلى أميرة فاتنة”. تروى مانتل، «والحكايات المروية عن ديانا لا تصف اليوم التالى ليوم الزفاف، عندما تاهت الزوجة الشابة فى ردهات القصر لترى انعكاس صورتها متشظية، و تدور فى دوائر من الهلع بحثا عن مرآة تعكس صورتها التى تعرفها. كانت شكوى ديانا دائما لا احد فى القصر قد مد لها يد العون أو شعر باحتياجاتها. ويبدو انها نسيت نصيحة جدتها لها قبل الزواج عندما قالت لها “حبيبتى عليك أن تفهمى أن أسلوب حياتهم ومشاعرهم وحسهم الفكاهى مختلف… فحاذري». فهل كانت ديانا ضحية تصوراتها عن نفسها وعن دورها او ضحية الصورة التى كانت ترسمها لنفسها وتتوقع ان يوافق عليها الآخرون؟» ترى الكاتبة أن ديانا حتى فى صور طفولتها كانت تبدو واعية بقواعد التصوير وتقف مستعدة للقطة، وكأنها تتفرج على استعراضها الخاص. وكانت نظرتها تجنح إلى الجانب كما لو كانت تتأكد من أن الجميع ينظرون باتجاهها. وكانت فى تصريحاتها تبدو ما لو كانت تحاول رسم صورة بعينها لنفسها فقد ادعت أنها التقت الأمير١٣ مرة فقط قبل زواجهما. فهل كانت تدون تلك اللقاءات بالفعل ام انها قالت ذلك لتبرز صورة تلك الفتاة البسيطة العفيفة عن نفسها. كانت ديانا تفتقد إلى الوعى بالذات، بحسب مانتل، ولكن كانت لديها غريزة قوية لأن تكون فى صدارة المشهد وكانت بطبيعتها تحب أن تحظى بالإعجاب، ولذلك نجحت فى إقناع الأمير أو دفع الآخرين الى اقناعه بها كزوجة، أو لأنها كانت بارعة ماكرة صورت له أنها تشاركه الرؤى والاهتمامات. وكانت نظرتها صادقة وصمتها خجولا ما دفع المحيطين به إلى نصحه قائلين: «الفتيات العفيفات نادرات فى هذاالزمان، اخطفها فورا يا سيدي»، واستمع الأمير للنصيحة.

قوة الضعف!

ربطت ديانا نفسها بالأم تيريزا، وفعلت ذلك وهى ترتدى ملابس أفخم بيوت الأزياء. تحركت باتجاه المعاناة، بدلا من أن تتجنبها. “عندما يكون الناس على وشك الموت» ،كانت تقول، «فإنهم يكونون أكثر انفتاحا وضعفا ، وحقيقيين أكثر من غيرهم من البشر،وأنا أقدر هذا جدا».

بين الضعفاء استعادت قوتها – وتحولت من شابة رقيقة هشة إلى محاربة متجهة إلى معركة.كانت تعرف أن الأمراض المفزعة لن تقتلها، وكأنها شخصية أسطورية يحميها سحر ما، كانت تسير دون أن يمسسها سوء.قادت حملات ضد الألغام الأرضية، وسارت عبر حقول الألغام، على سترتها الواقية كتبت عبارة « مؤسسة هالو» – وهو اسم مؤسسة خيرية عالمية، ورأسها الأشقر يومض مرحبا وكأنه يدعو شهابا من السماء.

«كان الطلاق مرا»، تقول هيلاري، «ومن الصعب أن تستخلص الحقيقة المجردة من المتملقين على الجانبين، لكن ديانا ربحت حرب ويلز لأنها كانت بلا رحمة. انسحابها من الحياةالعامة، الذى أعلن بطريقة دراماتيكية كان يشى ببداية جديدة تظهر فيها كموديل جديد. وربما كان التحول جاريا بالفعل قبل انسحابها ، لكنه لم يكن قد اكتمل ، حتى أتمه الموت. وبدلا من الانسحاب أخذت ديانا تتصرف كواحدة من المشاهير ذوى السلوكيات الفجة، وبدأ معجبوها يضحكون من محاولاتها لإيجاد بطل لقصتها بأى شكل. ولكنها كانت ترفض أن تعيش حياة عادية تقوم على فكرة التجربة والخطأ ، وخفت بريقها قليلا بسبب فشلها فى قصص الحب، ومع ذلك كان الناس لا يزالون يحبونها”.

بين «أبو الهول» و «المجدلية»

فى نهاية عام ١٩٩٥، ، كانت ديانا قد اعتادت الحديث عن نفسها بصيغة الغائب. جلست لتصوير حوار بانورامى معها كتمثال أبى الهول، لا تبتسم وبماكياج يجعلها تشبه مريم المجدلية، وقدمت نفسها كضحية وكامرأة فائقة الصلابة فى آن. ورغم أنها تحدثت ببساطة،إلا أن حديثها حمل غموض شخص اضطر للتواصل مع العالم عبر الألغاز .

عندما وصفت نفسها بأميرة القلوب، تجمدت الدماء فى العروق، فقد بدت وكأنها تقرأ نعيها…

«قالت إنها كانت «كبيرة جدا على العائلة المالكة، وإنها «خسارة فيهم..ولم تكن ترى خيرا فى تشارلز «من يدرى ماذا سيأتى به القدر؟! “ قالتها كعبارة تقريرية وليس كسؤال، كانت تلعنه بطريق مهذبة تليق بدوقة.

«الحزن ماعدلوش جلال يا جدع”…

«فراش الموت، كان فى وقت ما ، مكانا مفعما بالمغزى، غرفة مليئة بالحضور غير المرئى للملائكة، وأرواح الأسلاف. لكننا الآن مع تناقص الإيمان والمؤمنين، لم نعد نستشرف عدالة نهائية، ولا معنى نهائيا، ولا نجد دعما عند شعورنا بالفقد، عندما تخوننا «الإيجابية». ربما فقط تلغزنا فكرة النهاية”، تقول مانتل متأملة. «فحتى قبل انقضاء الجنازة، يفترض أن يقفز الناجون عائدين إلى (العادي). «أن تبقى مشغولا دائما، هذا هو السر»، كما يقول الأمير ويليام”.

الحزن مجهد، كما نعلم. الثكالى مشوشون ومتوترون، يحتاجون إلى بعض التسامح. لكن من سيعرف أنك حزين إذا كان كل ما بينك وبين العالم مجرد وجه حزين؟ «لا أحد يريد أن يعود للتقاليد الفيكتورية القديمة»، تقول هيلارى مانتل فى أسي. «وإذا كان سرك الصغير أنك لا تشعر بالحزن، فإن ملابسك يمكنها أن تفعل الصواب بدلا عنك. أما اليوم فإن الدعوات إلى الجنائز تتضمن إشارة إلى الحضور بملابس ملونة. والحزانى يوصفون بالمكتئبين .. وكأن الحزن الفطرى مرض نفسي… ونحن لا ندخر جهدا فى محاولة التخفيف عن أنفسنا. فعندما يموت شخص نقول إنه لم يكن سيحب أن يرانا بهذا الحزن.- ولكننا ربما نتساءل بيننا وبين أنفسنا ونحن نقول هذا «ماذا لو كان يريد ذلك؟» ماذا لو كان العزيز المتوفى يحب أن يرانا نصرخ ونمزق ملابسنا حزنا؟!

لماذا عاشت الأسطورة ومعها الحزن؟!

عندما ماتت ديانا، ظهر شرخ فى جدار الحزن، وأطلق محيطا من الملح، وهرعت الأمة إلى السفن. هكذا تصف الروائية البريطانية المشهد.

«تجمعت الحشود لتسكب حزنها وصدمتها. لقد كانت ديانا كائنا جمعيا، ولذلك فهى ملكية عامة. وصُكّ مصطلح «الهستيريا الجماعية» كتفسير فج وسهل للظاهرة التى غابت عن تحليل المراقبين. فهم لم يروا العمل الإيجابى الذى تقوم به الجماهير. الحزن فعل وليس مجرد شعور. إنه يعنى أن تسمى ألمك .. وتشهد أحزان الآخرين، لتصوروا معا حجم الخسارة.. إنه طبيعى وضرورى ولا شفاء من دونه”.

“هنا يرقد شخص كان اسمه مكتوبا على الماء».. لو كانت ديانا موجودة اليوم، فإنها موجودة فيما يتدفق ويتقلب، يفيض ويغيض، ما لا يمكن إصلاحه أو قياسه أو القبض عليه، ما ليس محدودا بزمان وما يجعل كل ذكرى سنوية بلا معني، وبالتالى هى ليست ميتة على الإطلاق»، هكذا تقول مانتل. وأقول: كانت امرأة عادية وقفت على المسرح الخطأ لتؤدى الدور الخطأ، ولكن كان للجمهور رأى آخر، فأخرجها من النفق أيقونة حية، مازالت تثير غبار الأسئلة فى وجه زمان بليد.

ahram.org.eg

 

Web Design MymensinghPremium WordPress ThemesWeb Development