الإثنين , يونيو 26 2017
الرئيسية / مقالات وتحليلات / العلاقات الثقافية الموريتانية المغربية بين الأصالة والحداثة / د. محمد الأمين ولد الكتاب (* )

العلاقات الثقافية الموريتانية المغربية بين الأصالة والحداثة / د. محمد الأمين ولد الكتاب (* )

إن العلاقات الثقافية التليدة القائمة بين الشعبين الموريتاني والمغربي، من حيث هي تواصل سوسيوثقافي، وتبادل علمي، وتواشج روحي وعقدي، وتلاقح فكري وفني، ضارب في القدم وقابل للمزيد من التطور والاستمرارية، لابد لها (أي لهذه العلاقات)، كي تزداد عمقا ومتانة واتساعا، أن تشمل بعدين أساسيين مترابطين ومتكاملين، من شأن كل منهما أن يغذي الآخر، ويرفده ويثريه، ويمنحه زخما وعنفوانا مضطردين.

ويتمثل هذان البعدان في:

بعد تاريخي تليد؛
بعد حداثي جديد

1. البعد التاريخي

لقد تم نسج العلاقات السوسيوثقافية الموريتانية المغربية ، على مدى أحقاب طويلة من الزمن، دامت من أوائل القرن الحادي عشر الميلادي إلى اليوم . وذلك نتيجة لبروز أحداث جيوسياسية ، وعوامل اقتصادية على مستوى شبه المنطقة، ونتيجة كذلك لجهود فعالة و مؤثرة ، قامت بها شخصيات تاريخية مرموقة ، في المجالات السياسية والاجتماعية والعلمية والروحية، إضافة إلى نشوء ظروف محفزة على التماهي العقدي ، والتكامل العلمي والتلاقي الفكري بين النخب الرائدة في البلدين.

أحداث مواتية وظروف محفزة:

أ . الأحداث المواتية

يمكن القول بأن العلاقات السوسيوثقافية والروحية بين الشعبين الموريتاني والمغربي، قد بدأت عند استقدام أمير صنهاجة الملثمين، يحي بن إبراهيم الكدالي، للفقيه عبد الله بن ياسين بن مكوك الجزولي إلى هذه الربوع سنة 1035م.

وكان عبد الله بن ياسين هذا، قبل مجيئه صحبة الأمير يحي بن إبراهيم إلى صحراء الملثمين، التي أصبحت في ما بعد تعرف ببلاد شنقيط ، كان ـ كما هو معلوم ـ يدرس يزاوية شيخ يدعى وجاج بن زلو اللمطي، أحد تلاميذ ابي عمران الفاسي فقيه القيروان، وكانت هذه الزاوية أو الرباط كما كانت تسمى وقتها، توجد بموضع اسمه ملكوس بمنطقة السوس بجنوب المغرب.

وبعد فترة من مقامه في صحراء الملثمين، قام عبد الله ابن ياسين سنة 1055، بتأسيس رباط له، يرى بعض المؤرخين أنه أقيم على جزيرة التيدرة قرب نواكشوط الحالية ، فيما يرى آخرون أنه أسس عند مصب نهر السنغال في المحيط الأطلسي.

كان هذا الرباط منطلق حركة المرابطين التي دوخت كامل صحراء الملثمين، وامتد نفوذها إلى فضائي الساحل الصحراوي ، والشمال الإفريقي ، فضلا عن جل بلاد الأندلس.

وبعد مصرع عبد الله ابن ياسين، أثناء قتاله لقبائل “البرغواطة” المرتدة ، صحبة الأمير اللمتوني أبي بكر بن عمر، الذي خلف الأمير يحي ابن إبراهيم الكدالي، عاد أبو بكر ابن عمر إلى صحراء الملثمين لوقف اقتتال كان قد نشب بين قبيلتي اكداله ولمتونه الصنهاجيتين، تاركا ابن عمه يوسف بن تاشفين في مدينة غمات.

قام ابن تاشفين ببناء مدينة مراكش سنة 1069 وواصل بسط نفوذه على القبائل المجاورة لها. ولاحقا عاد الأمير أبوبكر بن عمر بعد غياب طويل إلى مراكش.

ولما آنس إرادة ابن عمه يوسف بن تاشفين في الاحتفاظ بالحكم في المغرب الأقصى ، رجع إلى صحراء الملثمين، مصطحبا معه مجموعة من العلماء والفقهاء ، لعل من أشهرهم الإمام الحضرمي المرادي ، الذي أصبح في ما بعد قاضي دولة المرابطين الصحراوية ، والتي كانت عاصمتها آزوكي. والإمام الحضرمي ـ كما هو معلوم ـ هو مؤلف كتاب “الإشارة في تدبير شؤون الإمارة” الذي يعد أول كتاب تم تأليفه في هذه الربوع.

ولم يؤد تصرف يوسف بن تاشفين إلى تفكك دولة المرابطين، كما أنه لم يفض إلى القطيعة بين جناحيها الجنوبي والشمالي.

بل استمر التواصل والتواشج والتكامل قائما بين ذينك الجناحين وخاصة على الصعد الثقافية والعقدية والروحية.

ولما قامت دولة الموحدين سنة 1121م، نزح العديد من الفقهاء والعلماء وقادة الرأي المناوئين للسلطات الموحدية الجديدة إلى صحراء الملثمين ، فرارا من بطش تلك السلطات.

وتم تبعا لذلك تأسيس مدن في الفضاء الصحراوي الخاضع لصنهاجة اللثام، وذلك على أيدي علماء مرموقين يتماهون مع الفكر المرابطي.

ولعل من أبرز هذه المدن مدينتي وادان وتيشيت. وفي فترة لاحقة أصبحت مدينتا وادان وتيشيت وغيرهما من المدن الصحراوية موانئ تجارية صحراوية وملتقيات طرق للقوافل القادمة من مناطق الساحل الصحراوي والشمال الإفريقي.

ما أتاح توفر الكتب والورق لساكنة هذه المدن والفضاء الجغرافي الذي يحتضنها. فأعطى ذلك دفعا معتبرا للحركة الفكرية في المجال الشنقيطي، وأتاح مد جسور التواصل بينه وبين الشمال الإفريقي والأندلس والمشرق العربي.

ب. الظروف المحفزة على التبادل العلمي والتكامل الفكري

إن تقاسم الشعبين في بلاد شنقيط والمغرب الأقصى للمذهب السني المالكي الأشعري، وللتصوف على نهج الجنيد البغدادي ، وتفضيل النخب المثقفة لمختصر خليل في مجال الفقه، واعتمادها في ما يتصل بالدراسات اللغوية النحوية على المدرسة البصرية دون غيرها، وخاصة على مصنف سيبويه “الكتاب” ، مع أراجيز وأنظام الجزولي وأجروم وألفية ابن مالك، واختيارها فيما يتصل بالتصوف، للطرق الشاذلية والقادرية والتيجانية ، إضافة إلى متانة الروابط بين مريدي هذه الطرق الصوفية في البلدين. كل ذلك خلق تماهيا عقديا وتناغما فكريا وتواشجا روحيا بين فقهاء وعلماء ولغويي المغرب وبلاد شنقيط. فترتب عن وجود هذه الخلفية العقدية و المعرفية والروحية المشتركة ، اعتماد نفس المراجع وذات المصادر من قبل المحاظر الموريتانية والمدارس والزوايا المغربية.

فكان من بين ما يدرس في المحاظر الموريتانية المصادر المغربية التالية :

المرشد المعين لابن عاشر في الفقه؛
الآجرومية لابن آجروم في النحو؛
مجموعة من المتون في علم الفلك للعالم محمد سعيد السوسي . على سبيل المثال لا الحصر.
وبالمقابل تمت طباعة مصنفات موريتانية في المغرب. بل تم اعتماد بعضها ضمن مقررات بعض المؤسسات التعليمية المغربية، حيث قيم بطباعة مصنف “بوطليحية” للنابغة الغلاوي سنة 1862 على المطبعة الملكية بفاس. وكان مقررا على طلاب جامعة القرويين إلى عهد قريب. وقد تم كذلك بالمغرب ، طباعة ونشر مصنف “احمرار ولد بون” في النحو، ونشر مصنف “البنود على مراقي السعود” في الأصول، لسيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم، ومصنف “اختصار المواهب” في النحو للشيخ سيد أحمد ولد حبت.

أصبحت كل هذه المصنفات مقررة في الدراسات اللغوية والأصولية في المغرب، كما ذكر ذلك الأستاذ أبو الطيب مولود السريري في كتابه “معجم الأصوليين”.

وهكذا يتضح من خلال ما ورد ذكره هنا أن مصنفات العلماء المغاربة كانت تدخل في مقررات المحاظر الموريتانية كما كانت مصنفات نظرائهم الموريتانيين تدرج في برامج مؤسسات تعليمية مغربية بما فيها جامعة القرويين المشهورة.

ج .شخصيات متميزة أثرت في توطيد العلاقات بين الشعبين

لقد سجل التاريخ أسماء شخصيات وازنة مغربية وموريتانية أسهمت إسهاما كبيرا في ترسيخ وتوسيع العلاقات الاجتماعية والعلمية بين الشعبين الموريتاني والمغربي. من بين هذه الشخصيات على سبيل المثال :

زينب بنت إسحاق الهواري النفزاوية الملقبة بزهرة غمات. وقد كانت امرأة عاقلة، لبيبة، حازمة وذات رأي رصين وعقل راجح، وكانت عارفة بإدارة الأمور. وقد لقبت بالساحرة لجمالها.
تزوجها الأمير أبوبكر بن عمر لمدة ثلاث سنوات ، وكان ذلك سنة 1067م . وقبل أن يغادر غمات عائدا إلى الصحراء طلقها ، ثم أوصاها قائلا: “إذا انقضت عدتك فأنكحي ابن عمي يوسف فهو خليفتي على بلاد المغرب” ثم قال ليوسف” : تزوج زينب فإنها امرأة مسعودة”. كما ذكر الباحث مصطفى حمزة في إصدارية “أنفاس باريس”.

كانت زينب زوجة ومستشارة للأمير يوسف بن تاشفين وكانت أم ولده المعز لدين الله. وكان لها تأثير كبير على سلوكه وتصرفاته وإدارته لشؤون الدولة المرابطية.

الأميرة خناثة بنت بكار ولد علي ولد عبد الله المغفرية التي كانت فقيهة وأديبة وعالمة بالحديث ومتصوفة ، تتقن القراءات السبع وقد ذكر المؤرخ القادري في كتابه “نشر المثاني” أنها كانت تجادل العلماء. وأن لها تعليقا على كتاب “الإصابة في تمييز الصحابة” لابن حجر العسقلاني، وتوجد نسخة الكتاب التي تحمل تعليق الأميرة خناثة بالخزينة الحسنية تحت رقم 5332.
تزوجها السلطان العلوي مولاي إسماعيل لما زار بلاد شنقيط سنة 1675م. فكانت له زوجة مرموقة ومستشارة مسموعة الرأي ووزيرة نافذة القرار. وهي أم السلطان مولاي عبد الله بن مولاي إسماعيل وجدة السلطان محمد العالم الشاعر والأديب المتمكن والصديق الحميم للشاعر والأديب الشنقيطي عبد الله ولد رازكه. وقد قال الأستاذ عبد الله كنون في كتابه “النبوغ المغربي في الأدب العربي” إن هذين الرجلين أسهما إسهاما كبيرا في النهضة الأدبية في المغرب.

و قد بلغ من إعجاب الأميرمحمد العالم بن مولاى اسماعيل بصديقه عبد الله ولد رازكة أن قال في مدحه قصيدة جميلة جاء فيها عل وجه الخصوص :

لقد أهدتنا شنقيط سحرا حلالا فوق سحر الساحرينا
يقصر سحرنا عنه لو أنا بعثنا في المدائن حاشرينا
محمد الأغظف ولد محمد مولود، وهو شاعر ونحوي وفقيه موريتاني ولد بموريتانيا حوالي 1845م.
نزل في طريق عودته من حج بيت الله الحرام ضيفا على العاهل المغربي مولاي الحسن الأول سنة 1893م. فكلفه بتدريس أهل بيته، وخاصة الأمير مولاي حفيظ.

ولما تولى هذا الأخير عرش المغرب، قام بتعيين محمد الأغظف ولد محمد مولود مفتيا للديار المغربية. وقام محمد الأغظف بتعريف الملك مولاي حفيظ على العديد من مصنفات العلماء الشناقطة، فاهتم الملك اهتماما كبيرا بها وأمر بطبع العديد منها.

وقد استدرج محمد الأغظف عددا من العلماء الشناقطة لإلتحاقإ بالبلاط الملكي بمراكش؛ وكان من بينهم أبناء مايابا ومحمد البيضاوي ولد أمانة الله.

فاحتفى بهم السلطان مولاي حفيظ وأسند إليهم مهام التدريس والفتوى. فأصبحوا على رأس هرم المؤسسة الدينية. وشكلوا مجمعا للفتوى والمشورة ولجنة علمية لتصحيح الكتب والمقررات العلمية، فأضحى لهم دور كبير في النهضة العلمية والأدبية في المغرب في مطلع القرن العشرين.

وما يجدر ذكره هنا هو أن السلطان مولاي عبد الحفيظ كان شديد الولع بالنحو . ولذلك فقد وضع نظما حول كتاب ” مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ” لعالم النحو إبن هشام الأنصاري. سماه : ” السبك العجيب لحروف مغني اللبيب ” .

ثم قام محمد الأغظف بشرح هذا النظم و التوسع فيه في مصنف تمت طباعته بمصر.

وقد وضع العالم مبارك الروداني طرة حول هذا المصنف أسماها : ” فتح الصمد في شرح محمد الأغظف ولد أحمد” . ما يظهر مدى التفاعل العلمي و التكامل المعرفي بين السلطان المغربي و شيخه الشنقيطي,

وفي هذ المضمار لا بد ان نذكر العلماء البارزين : الطالب احمد ولد طوير الجنة و محمد يحيى الولاتي و سيدي عبد الله ولد الحاج ابراهيم و ما كان لهم من حظوة و تقدير لدى السلطان مولاي عبد الرحمان و ما كان لهم و لآخرين غيرهم من تفاعل و تبادل مع العلماء المغاربة خلال القرنين التاسع عشر و العشرين .

لقد كان لهذه الشخصيات السياسية والعلمية، كما رأينا دور كبير في تنمية وتجذير العلاقات العلمية وتقوية الروابط الفكرية بين النخب وقادة الرأي في البلدين.

ولا تقتصر العلاقات السوسيوثقافية والروابط الفكرية والروحية بين الشعبين على هذه الجوانب وحسب، بل إن لها تجليات أخرى تتمثل في الرصيد المشترك من الأدب الحساني بين القطرين.

ناهيك عن الاشتراك في أسلوب العيش ونمط السكن (الخيمة) ونوعية المأكل والمشرب (التمر والكسكس والمشوي والأتاي وازريك)…

وثمة مقوم آخر من مقومات الترابط والتماهي العقدي يتقاسمه الشعبان ، وهو الإيمان بضرورة مقاومة المستعمر الدخيل ووجوب الالتفاف لهذا الغرض ، حول رموز المقاومة مثل الشيخ ماء العينين وبعض أبنائه المقاومين على سبيل المثال لا الحصر.

ولعل أحدث مظاهر متانة العلاقات الثقافية بين الشعبين هو مساهمة العلماء الموريتانيين في الدروس الحسنية الرمضانية إضافة إلى العدد الوافر من الطلاب الموريتانيين في الجامعات المغربية ، وخاصة في مستوى الدراسات العليا من أجل إعداد شهادة الدكتوراه في مختلف الاختصاصات تحت إشراف أساتذة مغاربة.

هذا بعض ما يمكن قوله في ما يتصل بالبعد التاريخي التليد للعلاقات الثقافية بين شعبي الجمهورية الإسلامية الموريتانية والمملكة المغربية.

2. البعد الحداثي الجديد:

عندما كانت الثقافة في نظر الشعبين الموريتاني والمغربي ،جماهيرا ونخبا ، تنحصر في المعارف الدينية واللغوية كالحديث والسيرة والأصول والنحو والآداب ـ من شعر ونثرـ وفي العلوم المكملة كالفلك والحساب والطب ومختلف علوم الطبيعة، كان هناك كما بينا ، تماثل في مناهج التدريس ومصادره ومرجعياته ومؤسساته ، وكان ثمة ، كما أسلفنا، تماهي وتواصل بين العلماء وطلاب العلم في البلدين.وقد استمرت تلك الأوضاع إلى مطلع القرن العشرين.

وبعد ذلك نشأت أوضاع جديدة في شبه المنطقة كانت لها انعكاسات مختلفة على البلدين، حيث اختلفت وتيرة تطور كل منهما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والفكري، وذلك بفعل مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية يضيق المقام عن ذكرها.

ونتيجة لتباين إيقاع مختلف أوجه التطور والتحديث في البلدين، فقد تقلص التكافؤ والندية اللذان كانا قائمين بينهما في المجال الثقافي والعلمي والحضاري ، واللذان كانا يشكلان الأرضية الملائمة للتوازي والتكامل العلمي والمعرفي اللذين كانا قائمين بينهما لأحقاب طويلة من الزمن.

ويمكن إرجاع أسباب هذه الاختلالات أساسا إلى التحولات والانزياحات الكبيرة التي عرفها العالم بشكل عام ، وبدرجات متباينة ،اعتبارا من أوائل القرن العشرين ، والناجمة عن الثورات العلمية والتكنولوجية والرقمية، وعن انفجار المعارف في كل مجالات الحياة. ولما ترتب على تلك الثورات من تداعيات عميقة على أساليب عيش الشعوب وأنماط تفكيرها ومنظومات قيمها وفهمها للوجود.

ونظرا لتطور العلوم ووفرة المعارف وتوسع المدارك، فقد تمت إعادة تعريف ومراجعة تقييم معظم الظواهر الاجتماعية بما فيها ظاهرة الثقافة. حيث أنها لم تعد تحيل فقط ، كما كان عليه الحال في الماضي، إلى العلوم والآداب والفنون والفلسفة وما شاكل ذلك، بل اتسع المفهوم ليشمل كل ما يتصل بأساليب العيش وأنماط التفكير ومنظومات القيم والمسلكيات والمعتقدات والتمثلات والتقاليد والأعراف.

ومن هذا المنطلق وفي ضوء التطورات التي لحقت بالعالم، وانسجاما مع إعادة تعريف وتوصيف الثقافة الذي أضحى سائدا اليوم، فقد بات من اللازم أن نعيد تقييم التكامل والترابط القائم في الوقت الراهن بين مختلف تجليات البعد الحداثي للثقافة في كل من موريتانيا والمغرب.

لهذا الغرض يلزم أن يصار إلى استعراض مختلف الجوانب العصرية للثقافة في البلدين لتقييم مدى التكامل والتلاقح القائمين بينها حاليا، ولمعرفة إمكانية تطويرها و تشبيكها والارتقاء بها، إلى المستوى المطلوب في المستقبل.

تتمثل الأبعاد العصرية في ثقافتي موريتانيا والمغرب والتي ينبغي استبطانها لمعرفة ما بينها من فوارق وما تتيحه من تكامل ، تتمثل هذه الأبعاد في مختلف الفنون والأداءات والإنجازات الهادفة إلى توفير الفرجة والترفيه والتوعية والتثقيف وتعميق الحس الجمالي والارتقاء بالذائقة العامة.

وتشمل هذه الفنون على وجه التحديد:

التمثيل: ويتجسد في السينما والمسرح والباليه والأبيرا؛
التصوير والتشكيل: ويتجسدان في الرسم والخط والنقش والزخارف والنحت؛
الطرب والأنغام والتعبير الجسدي: وتتمثل في الموسيقى والرقص والكوروغرافيا والأهازيج الفلكلورية.
المهارات اليدوية: وتتجسد في الصناعات التقليدية وصناعة الخزف والفخار والخشب والجلود والخياطة والنسيج والطرز وصياغة الذهب والفضة والحلي وفنون الطهي والفندقة، الخ..
الفنون المعمارية: وتتجسد في أطرزة البناء و التشييد. وما يتصل بها من تقنيات صناعات الجبس والرخام والفسيفساء والزخارف والتنميق.
إضافة إلى فنون البستنة وصناعة النوافير والمعالم والمجسدات ، لتزيين الحواضر وإضفاء طابع المدينة والتأنق والذوق الرفيع عليها.

وإذا كان لجوانب الثقافة التقليدية مؤسساتها من محاظر ومدارس وزاويات، و لها روادها من طلبة وعلماء ، فإن لأبعادها الحداثية هي الأخرى مؤسساتها وآلياتها وفاعليها. و التي منها على سبيل المثال لا الحصر:

كليات وأكاديميات الفنون الجميلة والكنسرفاتوارات ومعاهد التقنيات السمعية البصرية و غيرها ، ومن بين فاعليها مختلف الفنانين من ممثلين ورسامين ونحاتين ومطربين وملحنين وغيرهم.

وفي هذا المضمار ينبغي إبداء ثلاث ملاحظات جديرة في نظرنا بالاهتمام :

الملاحظة الأولى هي أنه نتيجة لمجموعة من العوامل والملابسات ، فإن البعد الثقافي الحداثي قد قطع شوطا ملحوظا على طريق الارتقاء والتطورفي المغرب،

حيث اصبحت تتوفر فيه اليوم معاهد للفنون الجميلة ومؤسسات للسينما ومسارح وطنية متطورة ومتاحف وأروقات مجهزة لعرض الأعمال التشكيلية…

ويوجد به فنانون متمرسون في مجال السينما والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية وسواها.

والملاحظة الثانية هي أن البعد الثقافي الحداثي في موريتانيا ما يزال في طور جنيني. إذ أن البلد لا يتوفر بعد ، على معهد للفنون الجميلة ولا على كونسرفاتور ولا على مسرح وطني ولا على هيأة سمعية بصرية لترقية صناعة السنماء . ولا يمتلك جوقا وطنيا ولا أركسترا قومية.

وبالنتيجة فإن عدد الفنانين المتمكنين في مختلف المجالات الفنية ما زال محدودا للغاية .

والملاحظة الثالثة هي أن التعاون الثنائي، والسعي إلى التكامل والإثراء المتبادل بين البلدين في هذا المضمار، هما لحد الساعة دون المستوى الذي ينبغي أن يكونا عليه.

ويشكل ضعف التعاون ومحدودية التبادل في مجالات البعد الثقافي الحداثي بين البلدين السائد حاليا، يشكل كسبا ضائعا بالنسبة للشعبين وإهدارا لإمكانيات كامنة هي بعد معطلة ، في حين أن بمقدورالجهات المعنية في البدين تفعيلها ورسملتها وجني مرد ودية كبيرة منها.

حيث أنه بإمكان موريتانيا أن تستفيد من التجارب والخبرات المغربية في ميادين المسرح والسينما والموسيقى والمهارات اليدوية والصناعة التقليدية وفنون المعمار والزخرفة والبستنة، إضافة إلى الخياطة العليا وفنون الطرز والزركشة وألعاب المجتمع وغير ذلك من المهارات الأخرى. فتضيف بذلك مسحة مغاربية اندلسية إلى الطابع الساحلي الصحراوي السائد لديها.

كما أنه بالإمكان تضافر جهود البلدين في إطار تعاون ثقافي متعدد الأبعاد من أجل السعي إلى إنشاء وتفعيل هيأة موريتانية للسينما، وإقامة مسرح قومي، وتأسيس معهد عالي للموسيقى، بغية تدريسها الممنهج وتنويع وتطوير الآلات الموسيقية التقليدية في البلاد. سعيا ، من بين اشياء أخرى، إلى إنشاء أوركيسترا وجوق وطنيين لا يتوفر البلد عليهما لحد الساعة.

وبوسع المغرب بالمقابل استغلال الخبرة الموريتانية الوطيدة في حقل الأدب والتراث الحساني . خاصة في ما يتصل بما يسمى عند البيظان بـ”لغن” و”أزوان” و”الحكاية” وتقنيات العزف والطرب البيظاني،ذي الطبيعة المركبة والنكهة الخاصة.

وذلك من أجل تعميق وتوسيع خبرات ومدارك مكونة الشعب المغربي الناطقة بالحسانية في هذا اللون الأصيل من التراث المشترك بين الشعبين.

ولا ريب أن من شأن إنشاء مركز ثقافي موريتاني في إحدى كبريات المدن في جنوب المغرب ـ”كليميم مثلا”ـ ، أن يخلق الأرضية الملائمة ويشكل الفضاء المواتي لتنمية هذا اللون من التراث الأدبي والفني بين الشعبين، في كل أبعاده ومقوماته.

سواء تعلق الأمر بتقنيات ما يسميه الناطقون بالحسانية “البدع” و”لغن” و”لخبيط” و”اتهيدين” و”الحكي” و”آزاي” أو فنيات الإبداع في خياطة “الملاحف” و”ادراريع” .

وفي الابتكارات في مجال الصناعة التقليدية وصوغ الحلي والمجوهرات الملائمة للذوق البيظاني المتفرد.

ناهيك عما يمكن تنظيمه في هذا المركز الثقافي من محاضرات وأنشطة وفعاليات سوسيوثقافية وفنية مختلفة ، وعروض للكتب والمنتوجات التراثية الموريتانية التي تروق للبظان أين ما كانوا

الخلاصة

وخلاصة القول فإنه إذا كان التواصل والتكامل ظلا قائمين بين الشعبين الموريتاني والمغربي لأحقاب طويلة من الزمن، في مختلف حقول الثقافة التقليدية التي تحدثناعنها آنفا، فإنه بإمكان الهيئات والمؤسسات والفاعلين الثقافيين المنوط بهم بلورة وتطوير البعد الحداثي للثقافة في البلدين ، أن يقوموا بالجهود المطلوبة، ويعبؤوا الوسائل الضرورية ، ويخلقوا الظروف الملائمة من أجل إقامة تعاون فعال ومتعدد الأبعاد، بين الهيئات والمؤسسات والآليات الثقافية في البلدين، ليعيدوا إنتاج ذينك التواصل والتواشج القويين اللذين ربطا الشعبين على مدى قرون عديدة من الزمن وذلك في مجال الأبعاد الحداثية لثقافتهما المشتركة.

حيث أنه إذا كانت نخب هذين الشعبين قد حرصت في الماضي على توطيد وديمومة التواصل الاجتماعي والثقافي والتكامل الفكري والروحي بينها ، رغم بعد الشقة وصعوبة الاتصال والتواصل، فإنه حري بها اليوم، وقد صيرت الثورة الرقمية العالم قرية كونية صغيرة واحدة، على حد تعبير الكاتب الكندي مارشال ماكلوهن (Marshal McLuhan )، حري بها ، أن تتخذ من كل جوانب وأبعاد و تجليات ثقافة الحداثة و ما بعد الحداثة ، جسورا للتواصل و التفاهم والإثراء المتبادل ، نظرا لما يتيحه ذلك من تناغم وجداني و تكامل وجودي و تلاق حضاري بين الموريتانيين والمغاربة الذين يمكن أن يقال عنهم دون مبالغة إنهم شعب واحد في بلدين متجاورين.

المصادر

بلاد شنقيط ـ المنارة والرباط ـ تونس 1987م، د. الخليل النحوي.
البداوة والإسلام والسلطة السياسية في المجتمع البيظاني قبل الاستعمار من القرن 16 إلى القرن 19م جامعة ريني ديكارت باريس 1985م ـ د. عبد الودود ولد الشيخ.
تاريخ موريتانيا القديم والوسيط من ما قبل التاريخ إلى الانتشار الحساني في بلاد شنقيط نواكشوط 2010 ـ أ. الحسين ولد محنض.
موريتانيا عبر العصور ـ الجزء الأول ـ أ. إسلم بن محمد الهادي.
أدب الرحلة في بلاد شنقيط خلال القرنين الثالث والرابع عشر الهجري (19/20 ميلادي) 2012 ـ د. محمد بن أحمد بن المحبوبي.
الحركة الفكرية في بلاد شنقيط حتى نهاية القرن الثامن عشر (18 م) ـ الطبعة: 2015 ـ د. عبد الودود ولد عبد الله.
الشعر الموريتاني في الملحون “لغن”. خطوة نحو الاكتشاف، دراسة مقارنة ـ طبعة 2010 ـ أ. محمد بن بكار بن الطلبة.
إسهام العلماء الشناقطة في حركة النهضة والأدب في المشرق والمغرب الطبعة الأولى: 2014 ـ جامعة شنقيط
———————————————————–

(* ) تم تقديم هذا النص في شكل محاضرة القاها المؤلف مساء الخميس الماضي في قاعة المحاضرات بالمركز الثقافي المغربي في نواكشوط.

أضف تعليقاً

Web Design MymensinghPremium WordPress ThemesWeb Development