الخميس , يونيو 29 2017
الرئيسية / مقالات وتحليلات / بانجول.. مدينة ملت من وصل جامي

بانجول.. مدينة ملت من وصل جامي

على عكس السائحات البريطانيات اللاتي ترهلت أجسادهن تحت وطأة الزمن البارد واكتنزت حقائبهن بالجنيه من عائدات التقاعد، فظعن إلى غامبيا بحثا عن استرجاع شرخ شباب أفسدته ملاهي لندن وصباحات الصقيع في بيرمينغهام، يسلك الشاب البريطاني ذو الأصل الباكستاني فياز إلى مدينة بانجول طريقا آخر مختلفا. إنه في هذا الركن القصي من غرب إفريقيا بحثا عن غادة غامبية أغوته بالبسمات والهمسات عبر الفيسبوك والواتساب، وعاهدته على الالتزام بـ”الملابس الإسلامية” بعد الزواج. هكذا فاض إلى آخر الليل، بعد أن هدأ هديره في الهاتف، ومل التحسر بالإنجليزية، والدعاء على حبيبته والتضرع إلى الله بالعربية. فقد فوجئ صديقنا بعد ثلاثة أيام من الوصل في هذه المدينة الخائفة، بحبيبته مرتمية في أحضان سائح بريطاني آخر، في نفس الركن الذي اعتاد لقاءها فيه بمطعم “بلازا” الواقع بحي سنغامبيا في بانجول.

حاول فياز طيلة أيام ألا يصدق، ومنى النفس بأن الحادث لم يقع، وأن عينيه لم تريا ذلك المشهد، وحاولت أنا مواساته مؤكدا أن الأمر يحدث كل يوم، وأن عليه أن ينسى، لكنه يرفض ويتشبث أكثر. هكذا هم العشاق يستميتون في التعلق حتى آخر أمل، ويرفضون السلو ولو جوبهوا بالصدود والإهمال.. وهكذا بدا يحيى جامي في الأيام الأخيرة من يناير متشبثا بكرسي الرئاسة رافضا الهزيمة، وممنيا النفس بحكم قال إنه سيستمر ألف سنة، “إن شاء الله”. ضاقت عليه مدينة بانجول الصغيرة، وحاصرته القوات السنغالية من جنوب البلاد وشمالها، وتململ ضباطه وجنوده، ولفظته قبل ذلك صناديق الاقتراع.. توالت الوساطات وعروض اللجوء، ووفرت كل دولة مخرجا لآخر الدكتاتوريين في إفريقيا الغربية، غير أن قاهر الأنهر ظل متشبثا بكرسي ألفه، وبشعب اعتاد البطش بأبنائه، والعبث بخيراته.

لكن وراء كل هذا الصمود والتعلق لحظة حاسمة يدرك فيها العاشق المتيم والدكتاتور المتغطرس أن الترحل قد أزف، وألا مندوحة من تجاوز الماضي.. كان على فياز أن يوضب ذكرياته الغامبية المريرة عائدا إلى لندن بعدما مل الجفاء، واضطُر يحيى جامي إلى أن يترك تلك التسعمائة والسبعة والسبعين عاما من الحكم إلى مشيئة الله وينجو بجلده، بعدما تم تنصيب غريمه آداما بارو في داكار، وبدأت قوات الأكواس عرض عضلاتها على الحدود السنغالية. إنها نفس اللحظة التي رأى فيها النابغة الذبياني أن يعدي عما لا ارتجاع له، ويمتطي ناقته صوب أبي قابوس، وطالب فيها كعب بن زهير رفاق دربه بإخلاء سبيله، وقال عندها بَنْ علي للتونسيين إنه فهمهم، وصرح مبارك خلالها أنه “لم يكن ينتوي الترشح”.. إنها لحظة إيمان فرعون.

ساعة فاصلة في تاريخ الشعوب تلك، حين تتخلص من المقدمات الدكتاتورية، وتتوقف عن البكاء على الأطلال المحيلة للأنظمة العسكرية الغاشمة، لتبدأ عزف الغرض الرئيسي من الحياة والحرية، والتطلعَ إلى خبز لا يتصدق به دكتاتور بانجول بعد صلاة الجمعة، والحلمَ برعاية صحية بديلة عن تمائم وسبحة وعقاقير الحاج البرفسور الشافية من العقم والآيدز، “إن شاء الله”.

تودع بانجول يحيى جامي وسبحته وتفارقه فراق غير وامق، بعدما ملت عناقا استمر لاثنتين وعشرين سنة. لا تبدي أي أسف على رحيله، لكنها تعجز عن الفرح، فقد اعتادت الحزن والصبر على المكاره حتى صارا من سماتها المميزة.

يتحسر حارس المنزل الواقع قرب السفارة الأميركية على الهدوء الذي عاد إلى بانجو، مواصلا سكب كؤوس الشاي الذي يعد على جمر هادئ. فقد أمنت له أيام القلق والخوف في بانجول وظيفة حارس بمائة دلس لليوم، وذلك مكسب عظيم في غامبيا يحيى جامي.. ستتخلى عنه الأسرة التي يؤَمن منزلها، وتؤمن له وجبة غداء وعشاء في الأيام القليلة القديمة، وسيعود إلى زمن البطالة والترقب.. على الأقل سيعود آمنا إلى منزله، وسيعبر عن تبرمه بضيق العيش غير خائف من البطش به في مخافر الشرطة أو زنزانات وكالة الاستخبارات. لم يعد للخوف مكان في غامبيا، بعدما حزم الدكتاتور حقائبه المثقلة وصوره، وغادر لاجئا من الدرجة الأولى نحو غينيا الاستوائية. ينفُض ماودو سيدي بائع الرصيد غبارا تراكم على بضاعته من قمصان حملة الرئيس الجديد آداما بارو، ويعرضها في أكبر شوارع العاصمة ويقبل عليها خصوم جامي بحماسة بالغة.. يشترونها رغم ضيق ذات اليد وثمنها المرتفع على جيوبهم المنهكة بعد عقدين من العزلة.

يستعيد حي سنغامبيا وهجا يميزه عن بقية أحياء بانجول، وتعود عجائز لندن إلى التبرج في المقاهي والبارات، وبعد أمسية صاخبة عاشتها المدينة، ينزوي ديوب الشاب الغامبي العائد من لندن واثنان من رفاقه في إحدى الإقامات الهادئة غربي بانجول، ويبدؤون سمرا لا ينفَضُّ حتى طلوع الفجر. لا حديث سوى عن الجنرال الهارب وإقامته الفخمة في كانالاي، وما تضم من سلاح وعتاد. أسعى لتبديد ليل بانجول الطويل، فأنضم إلى الجمع المتحلق حول كاسات الشاي وسجائر الماريوانا.. يشعل ديوب ثاني لفافة من الماريوانا ويدورها ذات اليسار إلى رفيقه “الرستفاري” الذي يمتصها بشره وغضب، ويطفق الجميع في التبرم ولعن تركة الدكتاتور الهارب. بعد اللفافة الثالثة يشرع الرفيق “الرستفاري” في سرد ما يقول إنها ذكريات جمعته بجامي في ساحة “غولف يارد” التي كان يرتادها الباحثون عن المسكرات المحلية في بانجول أيام الثمانينيات. يقول الرفيق “الرستفاري” إن جامي كان سريع الغضب نزقا كثير الشراب كريه الرائحة.. أصدق هذا الكلام رغم أن محدثي لا يبدو في وضعية إدراكية تسمح بأخذ كلامه بجدية..

وفي الغد تتسلل خيوط يوم جديد مختلف على بانجول، تبدو شمسه أكثر سطوعا.. تتشظى صور جامي على الواجهات، ويحمل شيخ تجاوز الثمانين من عمره صور ابنه الصحفي الذي اختفى قبل عقد من الزمن يرقب القصر الرئاسي عن قرب، ويسأل قوات الأكواس المرابطة حول القصر إن كانوا قد رأوا أو سمعوا عن فلذة كبده.

أضف تعليقاً

Web Design MymensinghPremium WordPress ThemesWeb Development