الأربعاء , أغسطس 23 2017
الرئيسية / مقالات وتحليلات / رفض تعديل الدستور: بداية النهاية!

رفض تعديل الدستور: بداية النهاية!

جاء الرفض المفاجئ من طرف مجلس الشيوخ الموريتاني هذا المساء لتعديل الدستور بمثابة زلزال سياسي في البلاد، لا أحد يستطيع أن يتنبأ بالمدى الذي ستصل إليه هزاته الإرتجاجية. على كل حال كل شيء أصبح جائز الوقوع الآن على سبيل الاحتمال القوي، رغم  أن مجلس الشيوخ هذا هو أصلا هيئة منتهية الصلاحية، ورفضه لتعديل الدستور يبقى بداهة ردة فعل ضد مقترح إلغاء المجلس نفسه ضمن التعديلات الدستورية التي  كانت مقترحة.

 

لكن، كما أوضحت في مقالي الأسبوع الماضي، لا شك أن الساحة الوطنية في الظرفية الحالية تبقى حبلى بالتطورات التي تؤذن ببداية العد التنازلي لحكم الرئيس عزيز. لكن المشكل يكمن في إرادة وقدرة النخب الوطنية على ترشيد الاحتمالات التي ستؤدى إليها حتما نهاية نظام الرئيس عزيز، بعد قرابة عشر سنوات من ممارسة الحكم بشكل مباشر.

 

وكما قلت في مقالي الأسبوع الماضي، هاهي عوامل التفكك بدأت تفعل مفعولها داخل أغلبية الرئيس عزيز، وها هي أول ضربة سياسية قوية دشنت تصدع الأغلبية الحاكمة بموريتانيا، الذي سيستمر على شكل نزيف سياسي وشعبي على المدى القصير. كما أظهر هذا الرفض هشاشة قوى الأغلبية وضعف مرتكزاتها السياسية، إضافة لانشغالها بالصراعات الهامشية والمصالح الضيقة من خلال المساومات  داخل أطياف الأغلبية نفسها، إذ لا شيء يجمع بين أفرادها أصلا سوى المناورة والمساومة على ولائهم للنظام.

 

كذلك، عكس تعامل الحكومة بأقصى درجات القمع مع احتجاجات المعارضة أمام الجمعية الوطنية، الأسبوع الماضي، قدرا كبيرا من التشنج المفرط، وأظهر مستوى التوتر النفسي لدى النظام، واقترابه من حالة اليأس السياسي، حيث لن يتبقى له سوى الاعتماد على نواته الصلبة العنيفة.

 

من جهة أخرى، أعطى رفض الشيوخ لتعديل الدستور جرعة قوية للمعارضة، التي بادر زعيمها هذا المساء بالدعوة  إلى مرحلة جديدة في البلاد. وقد سجل خطاب المعارضة داخل قبة البرلمان وخارجها منذ مناقشة التعديلات الدستورية، انتعاشا كبيرا، حيث استطاع دحض المبررات المساقة لتعديل الدستور، وسلط الضوء على الكثير من الإختلالات والنواقص البنيوية التي يعاني منها تسيير النظام لشؤون البلاد، خاصة مع ما يشاع حول فساد الرئيس عزيز نفسه) التهرب من التصريح بالممتلكات، تسجيلات أكرا، الحصول على الكثير من عقود الامتياز، جمع تمويلات لمؤسسته الخيرية، الخ( إضافة إلى ما يقوم به المقربون منه من نهب ممنهج لثروات البلاد، وهيمنة كاسحة على فرص الأعمال القليلة المتوفرة، إضافة إلى انتشار الفساد في قطاعات التعدين والصيد البحري والعقارات، ووصول الدين العمومي إلى أعلى نسبة له خلال التاريخ الموريتاني الحديث، حيث يزيد حاليا على 90 في المائة من الناتج الوطني الخام.

 

هذا الرفض من طرف مجلس الشيوخ فتح الباب واسعا كذلك أمام الخبراء القانونيين والدستوريين خاصة، للمشاركة في حرب التأويلات القانونية، حيث أكد البروفسور محمد الأمين ولد داهي- الذي أشرف مع الخبير الفرنسي الدستوري أدموند جوف على صياغة الدستور الحالي سنة 1991- على أن المخرج الوحيد حاليا هو استقالة رئيس الجمهورية  وحكومته.

 

على كل حال، لقد تأكدت هذا المساء أسوء الاحتمالات بالنسبة للنظام، في وقت بات من الواضح فيه بأن الحراك السياسي في البلاد ماض بشكل لا رجعة فيه. لكن المشكل -كما أسلفت- يكمن في مدى إرادة وقدرة النخب الوطنية على ترشيد الاحتمالات التي ستؤدى إليها حتما نهاية نظام الرئيس عزيز، حيث جميع السيناريوهات- التي ذكرت في مقالي الأسبوع الماضي- تبقى واردة  كاحتمالات مفتوحة، وعلى النخب الموريتانية، المدنية منها والعسكرية، أن تتصدى من أجل تفكير استراتيجي لترشيد الخيارات السياسية لكل من الأغلبية والمعارضة بما يعزز فرص التداول السلمي للسلطة، وينقذ مسار التحول الديمقراطي من خلال بناء صورة مستقبلية مفضلة للبلاد والترويج لها بشكل واسع.

 

ويبقى أما السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه، فهو كيف ستتعامل النخب مع الواقع الجديد الذي سيفرضه رفض الشيوخ لتعديل الدستور، من أجل ترشيد السيناريوهات الخمس التالية، على أساس تقدير مدروس للتكاليف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لكل من هذه السيناريوهات على حدة:

 

–          توريث السلطة من خلال دعم الرئيس عزيز لمترشح آخر، سواء كان ينوي من وراء ذلك العودة للحكم أو ضمان الفكاك من المسائلة والحفاظ على سلامته الشخصية والمقربين منه وممتلكاتهم؟

–         تصعيد المعارضة للنضال السياسي السلمي من أجل فرض حوار سياسي وطني شامل؟

–         تفاقم حالة الانسداد إلى مرحلة اللاعودة.. وحدوث إنقلاب عسكري أو ثورة شعبية أو حرب أهلية، أو الجميع معا؟

–         تطور الأمور نحو تدخل دولي ذا طابع أممي؟

–         حدوث حالة شغور طارئة في المنصب الرئاسي لأي سبب طبيعي أو غيره؟

 

وكيف يمكن العمل بشكل جماعي وجدي من أجل أن تشكل نتائج عملية المفاضلة بين هذه السيناريوهات أساسا لخارطة طريق جديدة للمصالحة الوطنية على أسس تتسامى بالأطراف السياسية الفاعلة من أجل الانتقال من مرحلة الصراع الجرد على السلطة والنفوذ إلى مرحلة التنافس على إنتاج وتبني وتسويق “محتوى إصلاحي” لممارسة السلطة، يكون مقنعا لأغلبية المواطنين الموريتانيين، و يقوم على أساس الالتزام بأربع مقولات هي: مصلحة وأمن واستقرار وتنمية الجمهورية الإسلامية الموريتانية، باعتبارها معايير ثابتة لتقييم المشاريع السياسية المستقبلية للوصول إلى السلطة وتداولها في البلاد.

 

محمد المخطار شنقيط

مشروع رؤية موريتانيا 2030

18 مارس 2017

Web Design MymensinghPremium WordPress ThemesWeb Development