الجمعة , ديسمبر 9 2016
الرئيسية / مقالات وتحليلات / البيت اليتيم/الطلبة محمد احماده…
toulba

البيت اليتيم/الطلبة محمد احماده…

هذا قضــاء الله و القـــــدر…….مالي سواك يتيمتي قمـر
أنت الهوى والذكريات على…….شفتي و أنت اللحن و الوتر
بتنا على درب الهوى زمنـا………و أراقنا الإبحار و السفـــر
حتى بنينا بالمحـال غـــــدا……….و الكون بالأزمات يستعــر
شنقيط كنا نحن سادتها………..بالحب و الايمان نفتخــــر
كنا كما كانت فوارسنـا………نحيى لعينيها و ننتحــــــــر
و اليوم لا كالأمس في وَحَل……..نُقتاد و التاريخ يعتـــــــذر
فعلى يديك تموتـــ بسمتنـــا……..وعلى رباك الشعر يَحتضـر

هكذا كنت أدون التغريدة هذه للتاريخ عندما أذن لصلاة العصر في مسجد الوزارة الساعة الرابعة والنصف. نزلت من المكتب إلى المسجد وقد أشرف يوم حافل بالعمل على نهايته. كان الجو هادئا والطقس لطيفا. أقيمت الصلاة الساعة الخامسة إلا عشرين دقيقة. صليت خلف الإمام في جمع من الزملاء. انتهت الصلاة. تبادلنا السلام و الوداع ثم انصرفت مسرعا نحو سيارتي. كنت حقا أشعر بالراحة و الاطمئنان.
كان لي جد علم من أعلام المعرفة. كان هو نفسه مكتبة وكانت له مكتبة. بدأت و أنا طفل يافع أطالع تلك الكتب, أستأنس بها, أفتش بين دفاتها ,أستنطقها, أبحث عن شيء ما ثمين, أنقب عنه, لا أدري أو على الأصح لا أدرك ما هو بالذات؛ إلا أنني كنت أشعر أنني كلما أمعنت في المطالعة و البحث تشكل لدي عقل أكثر استعدادا لفهم الأشياء و وعي أكبر بالحراك التاريخي للكون و مكوناته, بل أشعر أحيانا أن نورا ساطعا يشرق من صفحات تلك الكتب ليهتك الستار عن حقائق لأشياء كانت إلى وقت قريب لغزا ينتصب عقبة في مجال فضولي العلمي. فهل كنت حينها أسعى لإدراك الحقيقة كما يقول المناطقة “إدراكا جازما ثابتا مطابقا للواقع عن دليل”؟ أم كانت تدفعني ’’ قوة الحقيقة ‘‘ إلى البحث الجاد للوقوف على حقيقة ما أنتجته عقول الآخرين ؟ قد يكون هذا وذاك، لست أدري, إلا أن عملية البحث تلك دشنت بيني و بين الكتاب صداقة حميمة خالدة، أزلية، لا تهدها العواصف ولا تجتثها الأزمات.
هذه المعلومة و إن كانت تبدو دخيلا يغرد خارج السرب ، إلا أنها قد تفيد إذ أردت من خلالها لفت الانظار إلى حقيقتين اثنتين، أولاهما أن في هذه الصحراء المترامية الأطراف وعلى تلك الرمال المتحركة و بين تلك الكثبان المتموجة كان يسكن ناس لم يثنهم شح العيش و تتبع مرابيع النجوم عن تحصيل علم أثينا و جمع ما أثمرته عقول الآخرين. الحقيقة الثانية هي أن هذا الارتباط الروحي بالكتاب كان له الدور الريادي في تحديد برنامجي ذلك المساء. كان برنامجي بسيطا جدا : سأمر بمكتبة الإصلاح قبالة سوق العاصمة، حيث أشتري كتابا لاقتنائه، بعد ذلك أتيم سوق آفاركو، من هناك أشتري زوج أحذية جديد ثم أعود مرة أخرى لسوق العاصمة لاصطحاب منى إلى المنزل. في المنزل سأدخل مكتبتي، أفتح كتابي الجديد، أبدأ مطالعته. من حين لآخر يدخل علي كأس من الشاي الأخضر أَتَحساه على هيْنتي. لا أريد لشيء أن يعكر حياتي، فالحياة، فرصة نادرة لا تتكرر، علي اقتناصها قبل أن تغتالها مخالب الزمن أو تهوي بها الريح في مكان سحيق.
امتطيت سيارتي و غادرت الوزارة من البوابة الكبرى صوب سوق العاصمة. كان السوق كعادته مزدحما يعج بالحياة. آلاف السيارات تزدحم حوله وتجوب الشوارع ذهابا و إيابا وأزيزها يختلط بإيقاعات الموسيقى الصاخبة و تراجيع المروجين. آلاف الباعة و الزوار يعمرون المحلات و الدكاكين وينتشرون على الأرصفة وفي الباحات. الحركة تبدو متناغمة. الكل يصارع في صمت من أجل كسب قوته اليومي أو بعبارة أكثر دقة لجلب ما يراه ضرورة أو كمالا لسير حياته العادية.
تلك الوضعية المتزنة التي يعيش السوق في ذلك الوقت هي انعكاس طبيعي للحالة النفسية لإنسان طبيعي في مجتمع طبيعي يعيش حالة الهدوء التي يطلق عليها بناة المفاهيم مفهوم الاستقرار. إنها حالة فوضى متناغمة تجعلك تعيش لحظات رومانتسية تشعر فيها بالعظمة و الثقة بالنفس. إنها لحظات أخذ و عطاء. لحظات طهارة نفس، و نقاوة قلب و سلامة نية. براءات تجول و ابتسامات تبادل.
شققت طريقي بصعوبة إلى مكتبة الإصلاح قبالة السوق من الغرب، أركنت سيارتي غير بعيد ثم دخلت المكتبة. لم يدم البحث طويلا. أخذت الكتاب، دفعت ثمنه, عدت للسيارة و انطلقت حتى توقفت أمام سوق آفاركو. تركت جوالي في السيارة. دخلت السوق. هناك قضيت وقتا أطول في اختيار زوج الأحذية. عدت إلى السيارة بعد أن تم الاختيار. داخل السيارة و قبل أن أنطلق ألقيت نظرة سريعة على الجوال فلاحظت ست مكالمات في خانة الغياب, كلها من طرف منى، رفعت الجوال، حاولت الاتصال بها، فلم أوفق. ظننت الأمر عاديا و لم يخطر ببالي إمكان حدوث أي شيء استثنائي . جعلت الكتاب عن يميني و زوج الأحذية على المقعد خلفي. انطلقت سريعا في اتجاه الجنوب مع الشارع الذي يمر موازيا لدار الثقافة من الغرب. عبرت الشارع الذي يمر جنوبها, واصلت السير قليلا، ثم عرجت يمينا فجعلت ثانوية البنات عن يميني، ثم اندفعت مسرعا صوب السوق المركزي. فعلت هذا كله لتفادي ازدحام المرور الذي قد يكون أقوى شمال السوق.
توقفت جنوب السوق قرب المراحيض، وجهي إلى الغرب و المراحيض عن يميني. كانت الساعة السادسة مساء أو تزيد قليلا. نزلت من السيارة. المشهد يبدو رهيبا. السوق مغلقة و آلاف السيارات التي كانت تعمر المكان اختفت, و اختفى الزوار و الباعة و البضاعة. اختفت الحياة. سلبت. انهارت. هذا لانهيار السريع للحياة أصابني بالصدمة و الذهول.
أخرجت جوالي, حاولت الاتصال بمنى فلم أفق مرة أخرى. خطوت خطوة نحو السوق و في نفسي شيء. توقفت فجأة. رأيت جموعا من الشباب يتجمعون, يكرون و يفرون, و سمعتهم يصرخون ويصيحون, و سمعت أصوات انفجارات هنا و هناك. الناس مذعورون. الجو ساخن و مشحون و مكهرب. السيارات تنطلق في كل اتجاه هاربة مبتعدة عن المكان. قطة زيد، التي كانت تظل تجوب السوق تأكل الخشاش و تتنسط على أحاديث بائعات القماش، انطلقت على وجهها مذعورة لا تلوي على أحد و تكسرت كؤوس سليمان بائع الشاي و أهريق كسكس أم الكرام. لقد أحدثت الهزة دمارا هائلا في حرم السوق. ماتت ابتسامات و دفنت آمال. هذا التحول المفاجئ العنيف أرعد فرائصي.
تقدمت نحو جمع من الشباب عن شمالي كانت أعينهم شاخصة نحو السوق كأنهم يرصدون شيئا ما. سألتهم ببراءة الطفل : ماذا يجري ؟ لم يردوا علي. رجعت القهقرى. هناك شعرت بأنني شخص غريب في أرض غريبة، بين ناس غرباء. فجأة, و في ما يشبه الأحلام, سمعت صوتا يهمس في الخفاء : يا هذا, أنج بسيارتك قبل أن تحطم. نظرت إلى مصدر الصوت فإذا بثلاثة شبان سود البشرة يدفعون سيارة معطوبة يبتعدون بها عن المكان الموبوء. حينها فقط أدركت خطورة الوضع. عدت إلى سيارتي مذعورا، مرتعد الفرائص . ألقيت نظرة سريعة داخلها. اطمأننت على الكتاب و زوج الأحذية. رفعت الجوال، هاتفت منى فكلمتني هذه المرة من وراء حجاب. لقد لجأت خائفة تترقب إلى شقة قرب السوق كان أخاها معلم الابتدائية قد استأجرها حديثا. معلم لابتدائية كان قد قدم مؤخرا من شرق البلاد في زمرة من المواطنين الذين حلوا مؤخرا بالعاصمة في طريقهم شمالا نحو معادن الذهب. هؤلاء المواطنون كغيرهم ممن أخذتهم الكاميرا المخفية يطمحون في تحقيق ثراهم هذه المرة هناك في تلك الصحراء الفاتنة المرصعة بمناجم الذهب، بعيدا عن أعين الحاسدين و أنات أولئك الذين يرون أنهم سُلبوا مرق الحياة. لقد هرع صيادو الذهب هؤلاء إلى تلك المحبوبة التي افتتن بها الأجداد من قبلهم. فلم تضن بحبها. فكم من شاعر أحبها و أحبته. فأهداها قلبه و خياله كما أهدتها الطبيعة باسقات النخل و معادن الذهب !
أجل لقد ظلت سلمى طوال التاريخ أسيرة حب أولئك الذين دللت من عشاقها فبسطت لهم البساط الأحمر و نثرت عليهم الورود و العطور و بادلتهم عذري الغرام و البسمات. و اليوم ألا آن الأوان لسلمى أن تفتح قلبها لأولئك الذين من سدنتها و خدامها ظلمهم التاريخ و كسرت عواصف الزمان أجنحتهم و ألقت بهم ضحايا البؤس و الشقاء في سفح الهرم ؟ أم ستبقى سلمى أنانية في حبها، أحادية العاطفة ؟ ألا تخشى أن تمتد إلى خبائها الطاهر أنامل الحاقدين ؟ لا أدري، و لكني أقرأ التاريخ و أخشى رجاته و يخيفني لمعان الذهب و أكره ملاحم العشاق !… و قد كنت شاهد عين لمأساة الرباب… و وأد الجمال !
تلك هلوسة أحلام تقنصتني قبل أن يستلني صوت منى يأتي من أعماق المجهول و في نبرته رعشة و فزع شديد. سألتْ :
ـ أين أنتَ ؟
ـ أنا في حرم السوق.
ـ ماذا جرى للسوق ؟
عاودتني هلوسة الأحلام و تهت بعيدا في تضاريس الخيال. فتشت طويلا في ذاكرتي المكلومة عن إجابة فما وجدت سوى ببيت يتيم تصاول حوله النحاة و الفقهاء فهمست شارد الفكر :
لعب الزمان بها و غيرها بعدي سوى في المحو و القطر
قد تكون الإجابة مبالغة أو لا تكون غير أنها تأتي انعكاسا لتلك الصورة من الأهوال التي كانت ترتسم حينها في خيالي عند ما كانت تحلق بي الخواطر و الأحلام بعيدا عن الواقع في سماء المجنحات.

الطلبة محمد احماده

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Web Design MymensinghPremium WordPress ThemesWeb Development