الجمعة , ديسمبر 9 2016
الرئيسية / مقالات وتحليلات / خارطة طريق في أفق الحوار المرتقب
medali prof iup

خارطة طريق في أفق الحوار المرتقب

لا شك أن الحوار فضيلة، والتشاور محمدة، وقد حاور الله تعالى الشيطان، وكان من نتائج ذلك الحوار أن منحه ربه فترة أطول لإكمال عمله الذي جبل عليه من إضلال بني آدم.
ومن ما يشكر للحكومة الحالية اعتماد منهج الحوار لحل المشاكل العالقة، وهي سنة حسنة لأن الحوار إما أن يؤدي إلى الاتفاق حول المواضيع المطروحة على الطاولة، وإما أن تتفق الأطراف على طريقة إدارة خلافاتها في احترام تام للرأي والرأي الآخر، وهذا مكسب ديمقراطي مهم.
وقد اجتازت بلادنا منذ الاستقلال إلى اليوم الكثير من الأزمات عن طريق الحوار، وبالمقابل كان الاحتقان السياسي وراء كل التغييرات غير الدستورية للنظام القائم في البلاد.
والفكرة التي أقدمها هنا حول مسألة الحوار المقبل أردت صياغتها وفق الخطة التالية:
أولا: موضوعات مقدسة لا حوار عليها أبدا
ثانيا: قضايا الحوار، وتنقسم إلى:
1- قضايا كبرى تمس كيان الدولة واستمراريتها (الحكامة السياسية).
2- قضايا تنموية مستعجلة (الحكامة الاقتصادية والاجتماعية).
أولا: موضوعات مقدسة لا حوار عليها أبدا
إن الأمور المشار إليها تحت هذا العنوان ينبغي أن تكون مسلمات بديهية لدى كل مواطن نخبويا كان أو عاميا، وهي ليست محلا للمزايدات بين السياسيين أوغيرهم، ومن جملة تلك الأمور:
أ‌- الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة بحوزتها المشتملة على الإقليم بأبعاده الثلاثة البري والبحري والجوي، بمعنى الإيمان بوجود هذه الدولة، والولاء لها ،والدفاع عنها ضد كل الأخطار الداخلية والخارجية.
ب‌- الوحدة الوطنية وينضوي تحت هذا المفهوم بعدان:
– الوحدة الترابية( l’intégrité territoriale) باعتبار أن موريتانيا دولة موحدة غير قابلة للتجزئة أو الفيدرالية أو أي شكل آخر من أشكال الانقسام.
– الوحدة بين مكونات الشعب الذي يجمعه الدين والوطن والمصالح المشتركة، بمعنى اللحمة الاجتماعية التي لا مكان فيها للتمييز أو المحاصصة على أساس العرق أو اللون أو الجهة أو الجنس… إلخ.
ج- الدين الإسلامي باعتباره دين الشعب والدولة، وهو أهم ضمانات الوحدة الوطنية، وفي ظله تكونت المصالح المشتركة، وتشابك التاريخ الموحد، وحصل الانسجام بين مكونات شعبنا على هذه الأرض، فنحن ذرية بعضها من بعض.
د- اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية للدولة ولغالبية الشعب، وينبغي أن تدرس إلى جانبها اللغات الوطنية الأخرى، ولا مانع من اعتماد اللغات الحية في المقام الثالث.
ه- النظام الجمهوري باعتباره مكسبا يمنع الاستبداد والأحادية، ويتيح لنخب المجتمع أن تشارك في إدارة الشأن العام وفق آليات الديمقراطية التعددية، وأن ترى كل من الأغلبية والمعارضة ذاتها في الممارسة السياسية، وفي تطبيق البرامج الحزبية وفق الإرادة الشعبية التي لا يشوبها غبن ولا تدليس ولا إكراه، فالبقاء للأصلح ،والسلطة ملك للشعب بنص المادة الثانية من الدستور.
ثانيا: قضايا الحوار
ويمكن تقسيمها إلى محورين كما أسلفنا:
I. المحور الأول: قضايا كبرى تمس كيان الدولة واستمراريتها (الحكامة السياسية).
ولعل من أهم هذه القضايا بالضرورة:
1. مراجعة الدستور ليس في ما يتعلق بطريقة انتخاب رئيس الجمهورية، أو مدة مأموريته، أو عدد المأموريات المسموح بها، وليست هذه المراجعة من أجل البحث في ما إذا كان النظام البرلماني أفضل من النظام الرئاسي، فهذه المسائل محسومة في دستورنا الحالي، وإنما المراجعة ضرورية على سبيل المثال للإجابة عن أسئلة من قبيل:
– هل تضمن الوثيقة الدستورية الحالية تحقيق مبدإ الفصل بين السلطات؟
– هل تضمن قيام ديمقراطية تعددية وتنص على كل آلياتها؟
– أين موقع اللجنة المستقلة للانتخابات – وهي حكم يتفق الجميع عليه – في هذا الدستور؟!
– أين موقع السلطة العليا للصحافة فيه ؟
– هل الواقع يعكس ما نص عليه الدستور من أن الشريعة الإسلامية هي” المصدر الوحيد” للقوانين في موريتانيا؟ أم أنها مجرد مصدر أساسي في بعض فروع القانون؟
– أين أثر الشريعة الإسلامية مثلا في القانون التجاري، والقانون المصرفي، والقانون العقاري؟
– هل حضور اللغة العربية في الإدارة الموريتانية يتناسب مع كونها اللغة الرسمية؟
– هل يوجد أساس دستوري لما يسمى الآن بالتمييز الإيجابيla discrimination positive الذي أصبح واقعا نعيشه في المناصب الانتخابية، وحتى في مسابقات اكتتاب الموظفين؟ ألا يتنافى ذلك مع مبدإ مساواة المواطنين أمام المرفق العمومي المكرس دستوريا؟
– لماذا مجلس الشيوخ؟ ووسيط الجمهورية؟ والمجلس الإسلامي الأعلى؟.
– أي دور ينبغي أن يلعبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي؟ ومحكمة الحسابات؟ والمفتشية العامة للدولة؟
هذه مجرد أسئلة تبين مدى إلحاح مراجعة دستورنا الحالي (دستور 20 يوليو 1991 المعدل في 25نفمبر2006).
2. ضرورة النص في القوانين التنظيمية بعد اتفاق المتحاورين على :
– الحد من عدد الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني التي أصبحت مجرد عناوين فارغة أو تراخيص في حقيبة.
– إكمال منع ترحال المنتخبين الذي تم الاتفاق عليه في 2011 بين أحزاب الأغلبية وأحزاب المعاهدة بعنصر أهم وهو منع ترحيل الناخبين ولوائحهم بين المقاطعات والبلديات، ومنع ترشيح من ليس مقيما في البلدية أو المقاطعة للمناصب الانتخابية فيها، ومنع ترحال قادة الأحزاب السياسية بين الأغلبية والمعارضة لمجرد منافع شخصية. أو ليس الحزب مؤسسة وليس ملكا لشخص؟ لذا قد يكون عزل قائده من طرف هيئات الحزب حلا أفضل من أخذه مسارا يتنافى مع برنامجه السياسي. فقد آن الأوان لتكوين نسق سياسي يمكن الحكم عليه من خلال وقف نزيف الجري وراء المنافع الآنية الهزيلة.
– إعادة النظر في التقسيم الإداري والبلدي وفق مقاربة تنموية، تعيد رسم خرائط الولايات والمقاطعات والبلديات على أساس السعي لتكوين أقطاب تنموية لا مركزية متخصصة، من أجل توفير الخدمات وفرص العمل في الداخل، والحد من الهجرة إلى العاصمة بحثا عن ظروف الحياة الكريمة.
– تفعيل الترسانة القانونية المجمدة في كل مجالات التشريع بما فيها النص الدستوري في بعض مواده، والنصوص الصادرة في مختلف فروع القانون، ولهذا الغرض لابد من إنشاء هيئة عليا مكلفة بمتابعة تطبيق القوانين في الجمهورية، كما لا بد من سن عقوبات تمنع أي موظف من التقصير في تطبيق القانون، كما أنه لا بد من إصدار المراسيم التطبيقية فورا لكل قانون يصادق عليه البرلمان.
– العدول عن إلغاء القوانين والمراسيم واستبدال عبارة “مشروع قانون يلغي ويحل محل” abrogeant et remplaçant بعبارة “يعدل بعض ترتيبات القانون رقم”، لأن سياسة الإلغاء هذه تضرر منها النظام التشريعي، وتركت فراغا كبيرا في المسائل التي كان ينظمها القانون القديم والتي لم تجد تنظيما في القانون الجديد المنصب على جزئية بسيطة، وهو رغم ذلك يلغي كل شيء سبقه.
وبالمناسبة فإن سياسة هدم القوانين السابقة غريبة على التقاليد التشريعية في كل دولة تحترم نفسها، ولم تعرفها فرنسا إلا في أيام الثورة، كما أنه لم يعمل بها في شبه منطقتنا، ولا في موريتانيا قبل 1978، حيث يظهر من استعراض أعداد الجريدة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية قبل ذلك التاريخ أنه لا يغير في القوانين ولا في المراسيم إلا ترتيبات خاصة ، مما لا يترك فراغا قانونيا عكس ما عليه الحال اليوم. (يمكن الرجوع في هذا السياق إلى أعداد الجريدة الرسمية منذ الاستقلال وهي موجودة ومؤرشفة محفوظة بنظام PDF، راجع موقع الجريدة)
– إلزامية شهادة الباكالوريا على الأقل لكل مترشح لمنصب انتخابي سواء في البلديات أو البرلمان، فلا يعقل أن يكون في الهيئة التشريعية، أو هيئات تسيير الشأن العام من لا يمكن أن يفهم هذه القضايا أو يدرك أهميتها مهما كان. كما أن تجديد الطبقة السياسية الذي أصبح حتميا يفرض إصدار تشريع يحدد أقصى سن يمكن لصاحبها الترشح للمناصب الانتخابية، فلا يكفي مجرد تحديد السن الأدنى.
II. المحور الثاني: قضايا تنموية مستعجلة (الحكامة الاقتصادية والاجتماعية).
إن الاقتصاد عصب الحياة ولا يمكن أن تبنى أي دولة في العالم دون التحكم في إدارة مواردها الاقتصادية، ومن البديهي اليوم أن ضمان الجدية في حسن تسيير النظام الاقتصادي لأي بلد لم يعد شأنا داخليا فحسب، بل أصبح اختلال النظام الاقتصادي ينعكس سلبا على الأمن والسلم الاجتماعي ويهدد الدول والكيانات ويفتح المجال للتدخل الخارجي، و لقد باتت فكرة الدولة الحارسة(l’Etat gardien) من الماضي لتحل محلها فكرة دولة الرفاه(l’Etat Providence).
ولأهمية النظام الاقتصادي ظهر تدخل الهيئات الدولية والإقليمية لضبطه في الدول القومية من خلال الخطط التي ترسمها المنظمات الدولية والإقليمية عن طريق المؤسسات النقدية كالبنوك والصناديق وهيئات التمويل الدولية.
وفي موريتانيا لا بد أن تتضمن قضايا الحوار المزمع في وجهها الاقتصادي:
1. مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية مع كل الشركاء لأن منها في واقعنا اليوم ما يمثل نهبا للثروة الوطنية بدون مقابل يذكر، فلا غنى في هذا الإطار عن ضوابط صارمة تضمن أن تبقى أرزاق الشعب بيده لأن “قطع الأعناق أهون من قطع الأرزاق”.
2. ولا بد في الحكامة الاقتصادية من التأكيد على ضرورة صيانة الثروات المتجددة كالثروة السمكية التي عانت من العبث بها واستغلالها المفرط، والثروة الحيوانية التي لم تنظم بعد، ولم تساهم في الناتج الاقتصادي الداخلي بشكل ملموس.
3. أما في القطاع الزراعي فيكفي أن نعلم أن أزمات العالم اليوم متمحورة حول الماء والغذاء، ولذلك لا بد من حكامة جديدة في المجال الزراعي تقوم على تصور صحيح لآفاق المستقبل، وترسم سياسة سليمة في مجال الزراعة والمياه.
4. وبخصوص القطاع الصناعي فلا بد من إعادة هيكلة هذا القطاع، وتشجيع المستثمرين المحليين فيه للاستفادة من الموارد المحلية في الإنشاءات من جهة، ولتشغيل اليد العاملة الوطنية من جهة ثانية، ولزيادة القيمة المضافة لمواردنا من جهة ثالثة، ولإعادة توزيع الدخل من جهة رابعة.
5. وبخصوص الصناعات الاستخراجية كالمعادن والبترول فإنها تعتبر أكثر حساسية من غيرها بالنسبة للاقتصاد الوطني، لذلك لا بد من إعادة بناء شركة اسنيم، ومنحها سلطات جديدة في مجال التنقيب والاستخراج، باعتبار أن الشركات الأجنبية لا تهمها المصالح الوطنية لموريتانيا وإنما يهمها أن تثري على حسابنا بنهب هذه المعادن غير المتجددة في وقت قياسي. وإذا كنا قد عانينا في بداية السبعينيات من القرن الماضي من نهب شركة MIFERMA للحديد لسنوات قليلة، ولم يكن يومها ذا قيمة كبيرة، فكيف إذا أدركنا حقيقة ما نعانيه اليوم من جراء نهب الذهب والمعادن النفيسة الأخرى من طرف كل من KINROSS TAZIAZT و MCM وهو نهب استمر حتى الآن عقدا من الزمن بلا رقيب ولا حسيب؟!
6. وكيف سيكون الحال لو تسبب خلل في أنابيب غازنا وبترولنا – اللذين نسمع عنهما -في إتلاف ثروتنا السمكية المتجددة وتدمير بيئتنا البحرية؟
وفي الجزء الاجتماعي البحت من هذا المحور لا بد من :
7. مراجعة سياسات التشغيل، وكتلة الأجور، وعلاقة السلطة التنفيذية بالنقابات المهنية باعتبارها من الشركاء، وإعطاء ضمانات لعمال القطاع الخاص،وحل مشكلة العمال غير الدائمين، واكتتاب العمال على المستوى المحلي ما أمكن ذلك خاصة في قطاعات التعليم والصحة.
8. من الأفضل أن تكون هناك مجالس جهوية لرقابة الحسابات بدل مركزيتها على مستوى العاصمة.
9. من الأفضل أن تكون هناك أكاديميات جهوية للتعليم تكتتب موظفيها محليا.
10. من الأفضل أن يكون اكتتاب موظفي وعمال الصحة بنفس الطريقة.
وأخيرا ينبغي على أطراف الحوار التفكير في أن تكون استراتيجية التنمية مستقبلا قائمة على توفير الماء، والكهرباء، والطريق، والمدرسة، والمستشفى في كل مقاطعة و بلدية، فإذا حصل هذا الهدف تحقق مفهوم التنمية الشاملة، وتم إسعاد المواطنين تلقائيا.(توجد نسخة باللغة الفرنسية).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Web Design MymensinghPremium WordPress ThemesWeb Development