الشيخ سيدى محمدالكنتى:الولى,العالم,المؤسس

سبت, 23/12/2017 - 23:13

أولا-الشيخ سيدي محمد الكنتي: الولـي القـــــائد
هو العلامة والقطب الفهامة الشيخ سيد محمد الكنتي بن سيدي علي ابن سيدي يحيى ابن سيدي عثمان ابن عبد الله ابن عمر ابن شاكر ابن يعقوب ابن العاقب ابن عقبة ابن نافع (الصحابي الجليل فاتح افريقية رضي الله عنه)
عاش الشيخ سيد محمد الكنتي في الثلثين الأولين من القرن الخامس عشر.
أما جده لأمه فهو محمد العالم بن كنته بن زمْ من عشيرة ابدوكل اللمتونية.
وقد نشأ الشيخ سيد محمد الكنتي في أخواله قبل أن يسافر إلى "اتوات" التي منها جاء وإليها عاد والده سيدي اعل.
وأثناء رحلته تتلمذ على الشيخ أبي العباس السبتي، يقول الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيد المختار الكنتي في الرسالة الغلاوية "...ثم لم يزل سيد محمد الكنتي بأخواله حتى تربى وحفظ القرآن ...وتربى على يد جماعة منهم الإمام أبو العباس الساوري، صحبه بسبتة، وتخرج على يديه ودعاه بالقطبية، وكان مجاب الدعوة لا يجاريه في مجاريه خلف .وهو أغلى وزنا وأعلى محلا،.دام يحيي ما قد أميت من الفضل  وينفي فقرا ويطرد محلا، ثم رجع إلى الصحراء ما بين تيرس إلى الساقية الحمراء، واستوطنها بمن معه من تلامذته وجيرانه محترما مكرما معظما عند سائر دولة المرابطين، من لمتونة وبني حسان، مقدَّما عليهم محكَّما فيهم(1) 
تزوج الشيخ سيد محمد الكنتي من فاطمة بنت محمد ابن الحسن بن أيشف الجكنية فأنجبت له ابنه سيد أحمد البكاي المدفون بولاتة والذي تفرعت عنه عشائر كنته.
َ يوجد ضريح الشيخ سيد محمد الكنتي بفصكْ وهو أحد المزارات المعروفة منذ وقت طويل رضي الله عنه وأرضاه.
ومثلما كان هذا  الشيخ ظاهر الكرامات باهرها وهو في الحياة، كان كذلك متصرفا مضمون الغاية  وهو في البرزخ.
ومع أن الأمر لا يحتاج إلى  تزكية أو شهادة شاهد، لكثرته وتواتره واستمراره، فإننا نستطيب أن نسوق هنا مثالين مما دونه الشيخ محمد المام بن البخاري من مواقف شاهدة لهذا الغوث بالتصرف وهو في دار الحق.  
يقول الشيخ محمد  المام في مقدمة قصيدته الميزابية " ... وفيه أيضا إشارة إلى شيء وقع لي قبل تأليفي في الأصول وبعد زيارتي للعالم الرباني شكرض (2) نفعنا الله ببركته وبركة اسمه، وهو أني كنت مهتما بالاصول همة مهزولة كهمتي بسائر الفنون فحصل لي إذ ذاك همة به فاجتمع عندي أحد عشر من كتب الأصول وحدثتني نفسي أن أُؤلف كتابا في الأصول أعزو فيه إلى كل هؤلاء فأتاني خاطر قوي نسيت حرارته وبرودته فقال : فما فائدة تأليف في فن لا يعزو مألفه إلا إلى أحد عشر كتابا كل واحد منها حين ألفه صاحبه معه في خزانة السلطان في ذلك الفن ما بين المائتين والألفين وما عسى أن يبلغ هذا التأليف وإن تطاول من أقدام هؤلاء فاشتغل بغير ذلك لألا يضيع بعض عمرك باطلا وهو رأس المال فتحيرت، فأتاني خاطر آخر نحوه وقال ألف في الأصول واعزو إلى مائتين أو أكثر من كتب المدن غير هؤلاء فقلت : كيف لي بذلك ؟ فقال : انظر عزو هؤلاء إليها واجعلها واسطة فإنها مشحونة من اسمائهم والعزو إليهم ففعلت بعد الاستخارة، فسخر الله لي كثيرا من التآليف في الأصول منه الميزابية(3)
ويقول في استسقائيته الشهيرة(4)
يَامْرَابَطْ فَصْكْ اتْنَدَاتْ...عَنْدْ رَاصَكْ مَنْ كَلْ اشْوَارْ
جَايَّ مَنْ نَكُجِرْ اشْتَاتْ ...أُجَـايَّ مَـنْ حَـفْرَتْ كَـنّارْ
حَـرَّكْ اَلْهَ لَوْلَبْ مَعْلُومْ...بِــيـهْ رَدْ اسْــمَــاهَ مَــدْرُومْ
كَانْ ذَاكْ الَّلوْلَبْ مَحْكُومْ...بِيهْ وَسِخْ اذْنوب اَهَلْ النَّارْ
ذُوكْ بَـلْ اظْفَـارْ اَسَـلُّومْ...كَـانْ فَـمْ انْـكَـصْرُ لَــظْفَـارْ
وقد كانت عودة الشيخ سيد محمد الكنتي من رحلته العلمية في الفترة التي بدأت فيها القبائل الحسانية تستوطن الصحراء، حيث ذكر الشيخ سيدي محمد الخليفة أن إحدى عشائر بني حسان(أولاد الناصر) استغلت توترا حدث بين الشيخ وأخواله فاستنصروه فدعى بذهاب الدولة على "ابدوكل" فكانت هذه الدعوة سببا في ذهاب دولة لمتونة وقيام سلطة بني حسان مكانها يقول الشيخ محمد الخليفة " ...إلى أن جرى القضاء بأمر غاظه على أخواله ابدوكلْ، هم يومئذ المتغلبون على الصحراء ومن فيها إلى أطراف السودان، فارتحل عنهم مغاضبا لهم فورد عليه غزو من أولاد الناصر، وقد بلغهم مغاضبته لأخواله فقال بعضهم لبعض: إن فآتتكم هذه الفرصة في لمتونة، فحرام عليكم الظفر بهم بعدها فقد غاظوا هذا الغوث وأغضبوه، وما يزيل قلنسوة الغوث عن رأسه، يزيل ملك السلطان من أسه، فاستضافوه ليلتهم وطلبوا منه أن يعطيهم دولة لمتونة فقال: أعطيتكموها على شرط : أنكم متى بلغتم منهم الحد الذي تأمنون شوكتهم رفعتم عنهم السيف، وأبقيتم عليهم عيشة لبني وبنيكم، فأعطوه عهدهم وميثاقهم على ذلك، وقالوا: كيف لنا بجموعهم المتكاثرة ومحالهم المتظاهرة ؟ فقال: إنما عليكم شن الغارات والاجهاز عليهم فإني قد دعوت الله عليهم بإذهاب الدولة وإيهان الصولة فأجابني فيهم، فأقبلوا إلى أهاليهم وتألب أفناء أبناء حسان بمن انضاف إليهم، فصبحوا لمتونة وهم غارون فانتدب لقتالهم من يليهم من الأحياء، واشتغل من دعاهم بأشغالهم استهانة بشأنهم واستخفافا بصولتهم فهزموا من يليهم لأول حملة وركبوا ظهورهم مع من وراءهم من من لم يستعد لحربهم، فهزموهم هزيمة لم تبق منهم على مجتمع وأبقوا منهم البقايا المدعوة اليوم باللحمة التي ضرب بنوا حسان على رقابها المغارم ومن كان منهم زوايا أبقوه على ما كان عليه(5)"
ثانيا-الشيخ سيدي محمد الكنتي العالم المُؤسِّس:
والواقع أن الشيخ سيدي محمد الكنتي هو المؤسس الفعلي لمجتمع البظان، ويمكن تبين ذلك من خلال ما أسميه بالتأسيسات السبعة:
تأسيس السلطان، والتأسيس الفكري، والتأسيس الثقافي، والتأسيس المجتمعي، وتعريب المجتمع، والتأسيس الروحي، وتأسيس الشرعية.
أولا تأسيس السلطان: لقد كان الشيخ سيد محمد الكنتي بدعمه للعرب هو المؤسس لسلطانهم في البلاد، فكل  الدلائل التاريخية تؤكد على أن لو لم يكن لهم ذلك المدد من الشيخ لما كان لجموعهم الوافدة من الخارج أن ينتصروا على الإمبراطوريات اللمتونية المتجذرة في البلاد وفي الآماد، والتي تقف حصينة على أرضيتها، متمترسة خلف حصونها البشرية الآمنة  وتجربتها التاريخية الغنية وتقاليدها السلطوية الراسخة، غير أن موقف الشيخ سيدي محمد الكنتي قلب ميزان القوة رأسا على عقب وهي حقيقة تؤكدها المصادر وتتضح  جلية من موقف بني حسان الذي وقفنا عليه في النص السابق (إن فاتتكم هذه الفرصة في لمتونة فحرام عليكم الظفر بهم بعدها ...) إن في هذا الموقف دليل على أن القوم لم يكونوا على مسافة قريبة من السلطة.
ثم إن في توجسهم من كثرة عدد وعتاد الأعداء دليل آخر على أن ميزان القوة  لم يكن في صالحهم ( كيف لنا بجموعهم المتكاثرة ومحالهم المتظاهرة ؟)
ومن الواضح من خلال نفس النص أن موقع الشيخ السياسي والاجتماعي ومرجعيته العلمية والاستراتيجية كانت واضحة بالنسبة للجميع :(...واستوطنها بمن معه من تلامذته وجيرانه محترما مكرما معظما عند سائر دولة المرابطين، من لمتونة وبني حسان، مقدَّما عليهم محكَّما فيهم).
إن الشيخ سيدي محمد الكنتي بأبعاده الروحية والفكرية والسياسية والاجتماعية والجهادية هو الذي حسم الموقف لصالح بني حسان وأسست سلطانهم الذي استمر طيلة القرون الخمسة التي سبقت الغزو الاستعماري الفرنسي مطلع القرن العشرين.
لذلك فإن الشيخ هو المؤسس –بدون منازع- لذلك المنعطف التاريخي والتحول الكبير الذي لم تعرف البلاد مثله منذ ما يزيد على خمسة عشر قرنا على الأقل.
نعم لقد حدثت تغيرات وتحولات كبيرة وعميقة مع الفتح الإسلامي، بيد أن تلك التغيرات كانت ملحوظة خاصة على المستوى الفكري والديني والسلوكي والعقدي والتنظيمي  لكن البنيات السياسية ظلت، في الأغلب الأعم محافظة على مكانتها، فكان سراة الأمس هم قادة العهد الجديد.
غير أن اللقاء التاريخي الذي تم بين الشيخ سيدي محمد الكنتي من جهة، وبني حسان من جهة ثانية، قد مثل في الواقع، لحظة تاريخية مشهودة، وتغيرا جذريا في مجرى الزمن في البلاد.
ثانيا: التأسيس الفكري: إن الشيخ سيدي محمد الكنتي عالم وموقفه اجتهاد، لذلك فهو في الحقيقة مفكر ذلك التحول الكبير.
فليس الأمر هنا مجرد حدث سياسي معزول، بموجبه انتقلت السلطة من شخص إلى شخص أومن عائلة إلى  عائلة أو من مجموعة إلى أخرى، ضمن ذلك المنطق الدائري الذي يمكن استعارته- دون كبير عناء- من النظرية الخلدونية، أو حتى انطلاقا من التحليلات الانقسامية الجاهزة. إن سقوط الامبراطورية  اللمتونية يعتبر حدثا عظيما في التاريخ، ولم يكن العرب يومها من الجاهزية بالمستوى الذي يجعلهم هم الورثة السياسيون الأقرب قعدة لمجموعة ابدوكل العريقة.  لكن الأمر يتعلق في الواقع بثورة عارمة متجذرة في مسار فكري أصيل يؤسسه ويقوده الشيخ سيد محمد الكنتي، وليس المستوى السياسي الذي يتجسد في تغيير الفاعلين في مسرح ممارسة السلطة، سوى أحد تجليات .
ثالثا: التأسيس الثقافي: بالرغم من أن ما نستعرضه هنا من أبعاد تأسيسية  تعتبر أبعادا ثقافية-حضارية،  فإن هناك بعدا ثقافيا ضروريا لكل تأسيس اجتماعي هو ما أسميه بالمدرك الثقافي (ما يسميه علماء الانتربولوجيا بأسطورة التأسيس). وهذا المدرك الثقافي المؤسس هنا لسلطان بني حسان في البلاد، هو دعاء الشيخ بزوال ملك ابدوكل وتنصيبه المعنوي، لأمراء البلاد الجدد: بني حسان، قبل أن ينصبهم بالفعل.
رابعا: التأسيس المجتمعي: إن هذا المخاض التاريخي هو الذي أفرز ما يمكن أن نسميه ،مع خطر التبسيط والاختزال، "التقسيم الوظيفي" داخل المجتمع، ذلك التقسيم الذي أسس لاختصاص السلطة الزمنية بالعرب، وبموجبه كان تولي الزوايا للسلطة الثقافية.
بتعبير آخر، إن تلك التراتبية التي أفرزتها هذه السيرورة والعقد الاجتماعي الجديد الذي عليها ترتب، أي ما أصبح منذو هذه اللحظة يسمى مجتمع البظان بسماته المميزة وهويته الخاصة التي يندمج فيها المكون الصنهاجي بالعنصر العربي، ضمن تشكيلة اجتماعية واحدة والتي فيها تأسست التحالفات والتقاسمات بين مكونات الأرستقراطية البظانية الزاوية والحسانية.
هذه التشكيلة الجديدة، هذا العقد الاجتماعي الجديد، هذا المجتمع الجديد هو من تأسيس الشيخ سيد محمد الكنتي رضي الله عنه.
خامسا: التعريب:  رغم انتظام المجتمع في الدين الإسلامي فقد ظل الناس متشبثون باللغات المحلية وظلت  النصوص الشرعية تدرس بتلك اللغات لذلك كان تعريب المجتمع ثورة فكرية حقيقية، شاملة وعارمة، حتى أن اللغات الأصلية قد اندثرت أو كادت.
إن مفجر تلك الثورة ومنجزها هو الشيخ سيد محمد الكنتي رضي الله عنه وأرضاه.
سادسا: التأسيس الروحي:  لقد كان الشيخ سيد محمد الكنتي هو مؤسس الزعامة الدينية والروحية في  البلاد، وهو أيضا أول من أدخل التصوف إلى البلاد فكان بذلك هو مؤسسه في افريقيا جنوب الصحراء التي إليها وصلت الطرق الصوفية عبر مجتمعنا.
والواقع أن حدث مجيء التصوف إلى المنطقة يشكل في الحقيقة ـ انطلاقا مما سيترتب عليه ـ فتحا إسلاميا كبيرا وتحولا اجتماعيا لا مثيل له، ذلك أن ما يسميه علماء الاجتماع والانتربولوجيا بالإسلام الشعبي وأحيانا بالاسلام الأسمر أو الاسلام الطرقي هو الذي فيه وبه انتظمت معظم مجتمعات القارة في الدين الاسلامي الحنيف، وتحصنت في أسواره التي منعتها من حملات التبشير المسيحية وغزوات الاستعمار وما صاحبهما من إغراءات لم تكن السلامة منها بديهية ولا متاحة للجميع بشكل دائم.
لقد حقق الشيخ سيد محمد الكنتي بالعلم و التربية الروحية والجهاد والهمة ما عجزت عن تحقيقه الصوارم والأسنة والخيل المسرجة والجيوش الجرارة المجهزة.
أجل لقد حقق ما أسميه بالفتح الثاني لإفريقية، بعد أن تحقق فتحها الأول على يد جده الصحابي الجليل عقبه بن نافع رضي الله عنه.
سابعا: تأسيس الشرعية:  على أساس العقد الاجتماعي الذي استعرضنا بعض ملامحه في هذه العجالة، والذي أسسه الشيخ سيدي محمد الكنتي، تأسست الشرعية المجتمعية بمختلف أبعادها القانونية والسياسية  والفكرية والاجتماعية والأخلاقية والروحية.
إن مؤسس تلك الشرعية، التي لما تزل قائمة، هو الشيخ سيدي محمد الكنتي بدون منازع.
وفي الختام أقول، كما بينت من خلال هذا العرض المقتضب، إن الشيخ سيد محمد الكنتي، الذي نحن اليوم في ضيافته ورعايته وعنايته، هو رائد ومُفَجِّر التحولات-الاجتماعية التاريخية الكبيرة في البلاد، وهو مصمم هويتها و تاريخها الخاص.
بكلمة واحدة، إن الشيخ سيدي محمد الكنتي هو مؤسس المجتمع، رضي الله عنه وأرضاه.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الدكتور محمد ولد البرناوي
أستاذ علم الاجتماع في جامعة انواكشوط
رئيس شعبة العمل الاجتماعي والتنمية المحلية
إحالات المحاضرة:
1-الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيد المختار الكنتي (الرسالة الغلاوية ) تحقيق حماه الله ولد السالم .منشورات معهد الدراسات الافريقية . الرباط 2003 ص 149.
2-تطلق كلمة شكرض بالبربرية على الرجل التقي ولكنها قد تكون مكونة من مقطعين (شكر الله) أي شكر الله أو شاكر الله وكانوا يكتبون اللام المغلظة بالضاد، ولعلهم يحاولون بذلك السيطرة على نطقها من خلال تطبيقات علم المقرئ على حرفي الظاء والضاد باعتبار أن اللام المذكورة قريبة في نطقها من الجمع بين مخرجي الحرفين السابقين.
ولعل انشغال الشيخ الدائم بذكر الله وشكره جعل الناس يلقبونه بذلك اللقب .
3- الشيخ محمد المام بن البخاري ، الديوان.
4ـ- مخطوط  زاوية الشيخ ـ انواكشوط ص 37

جديد الأخبار