
إعلان رئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو أن عقد السلحفاة/آحميم الكبير مع بي بي عقد مجحف و غير عادل. وأن حكومته ستلغي 71 رخصة تعدين لعدم احترام الشروط، يضع مرآة قاسية أمام نواكشوط، وبالتحديد أمام وزير الطاقة والبترول الموريتاني خبير المعجنات محمد ولد خالد، الذي يقدَّم في المحافل الدولية بوصفه مهندس "التحول الطاقي" الموريتاني، بينما تعيش السوق الداخلية تحت ضغط الأسعار وصمت تام في ملف الغاز. منذ تولّيه حقيبة الطاقة، يظهر الوزير في مؤتمرات إكسبو جاستك وMSGBC لعرض "فرص الاستثمار الواهية" و "قصة نجاح" موريتانيا الغازية، لكنه يغيب تماماً عندما يتعلق الأمر بشرح العقد الذي يربط البلاد بمشروع غازي عملاق مثل "السلحفاة/آحميم" أو ربط هذا المشروع بفاتورة الكهرباء والديزل التي يدفعها المواطن.
في 31 ديسمبر 2024 بدأ المشروع في ضخ الغاز، وفي 2025 حقق هدفه الإنتاجي مع 18 شحنة غاز مسال وشحنة مكثفات، ليترسخ موقع موريتانيا كمصدِّر جديد للغاز الطبيعي المسال. في مايو 2025، احتفلت الحكومة – عبر تصريحات الوزير ومشاركاته في المؤتمرات – بأول شحنة غاز مسال تغادر سواحل البلاد من «السلحفاة/آحميم»، وقدمت ذلك بوصفه «حدثاً تاريخياً» و«دخولا للنادي الغازي». لكن ما لم يجب عليه محمد ولد خالد هو : كم ستجني الدولة فعلياً من هذه الشحنات بعد استرداد التكاليف؟ وما هو الجدول الزمني لانعكاس هذه العوائد على أسعار الكهرباء والمحروقات؟ وكيف ستُترجم على شكل تخفيف للضرائب المجحفة أو تحسين للخدمات أو دعم مباشر للأسر الهشة؟
في الجانب السنغالي، يعلن عثمان سونكو في 11–12 مارس 2026 أن عقد السلحفاة/آحميم غير عادل، وأن بلاده ستعيد التفاوض عليه ضمن مراجعة شاملة للعقود الاستراتيجية، ملوحاً بإلغاء عشرات الرخص في التعدين والقطاعات الاستخراجية. في المقابل، لا يصدر عن وزير الطاقة الموريتاني أي تعليق، لا توضيح للرأي العام حول ما إذا كانت نفس الاختلالات قائمة في حصة موريتانيا من المشروع، ولا إشارة إلى نية إعادة التفاوض أو حتى تقييم جدوى العقد من زاوية المصلحة الوطنية بعد سنوات من توقيعه وتغيّر موازين القوة في سوق الغاز العالمية. الصمت هنا ليس حياداً؛ إنه اختيار سياسي يعني عملياً إعطاء تفويض مفتوح للشركات المشغِّلة (بي بي، كوسموس، وبقية الشركاء) للاستمرار في نفس معادلة القوة التفاوضية التي صيغت في لحظة ضعف للدولة الموريتانية.
خبير المعجنات محمد ولد خالد يقدَّم خارجياً كوزير يقود مرحلة تحول تشمل الغاز و بير الله والهيدروجين الأخضر (مشروع نور، 10 جيغاوات مع شراكات دولية)، مع تسويق البلاد كنموذج لاستقطاب الاستثمارات الخاصة في الطاقة الأحفورية والمتجددة. هذا النشاط الخارجي، المشحون بلغة الإنجاز والأرقام الافتراضية، لا يقابله أي جهد داخلي لبناء عقد اجتماعي جديد حول الطاقة، يقوم على الشفافية في العقود، وتفسير الخيارات، وإشراك البرلمان والنقابات والخبراء المحليين في تقييم المخاطر والعوائد. النتيجة أن الوزير يبرع في مخاطبة المستثمرين، ويعجز عن مخاطبة المواطنين؛ يكتب سيرة نجاح في نشرات المؤتمرات وعلى مواقع موريتانية قاحلة، بينما يترك الشارع يعيش تحت وطأة أسعار وقود لا تعكس أبداً أن البلاد أصبحت مُصدِّراً للغاز.
قرار لجنة المحروقات في مطلع مارس 2026 برفع سعر الديزل مع خفض محدود في سعر البنزين، في سياق آلية جديدة تعتمد سقفاً للزيادة لا يتجاوز 5%، جسّد هذا التناقض بوضوح. فبدلاً من ربط هذه الآلية باستراتيجية واضحة لتوظيف عوائد الغاز في تثبيت الأسعار أو إنشاء صندوق استقرار للمحروقات، اكتفت الوزارة ولجانها الفنية بقرارات تقنية مباغتة، تركت السائقين يصطفون أمام المحطات وهم يستمعون في الوقت نفسه لأخبار "نجاح مشروع الغاز" في بلوغ أهداف إنتاجه وتصدير عشرات الشحنات إلى الخارج. هنا، يتجسد الفشل السياسي للوزير: إدارة قطاع استراتيجي بمنطق جداول الأسعار الشهرية، لا بمنطق رؤية وطنية للطاقة تضع المواطن في قلب المعادلة.
تاريخياً، قبل "السلحفاة/آحميم"، كانت موريتانيا تعيش هشاشة مزمنة في ميزان الطاقة: استيراد كامل للمحروقات، شبكة كهرباء محدودة، فاتورة دعم تضغط على المالية العامة، واعتماد شبه كلي على مزاج السوق العالمية للنفط. ظهور احتياطيات غازية ضخمة في السلحفاة/آحميم ثم بير الله كان يجب أن يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، أو على الأقل أن يفرض إعادة كتابة السياسة الطاقية على أسس جديدة: أولوية لتأمين الكهرباء الرخيصة والمستقرة، ربط الغاز بالصناعة الوطنية، وتشييد آليات تحوّط تحمي المستهلك من صدمات الأسعار الخارجية. لكن تحت إدارة محمد ولد خالد، تحوّل الغاز إلى عنوان دعائي للاستثمار الأجنبي، بينما بقيت السوق الداخلية دون استراتيجية واضحة، ودون جدول زمني مُعلن يربط نقاط الزمن: من أول غاز في ديسمبر 2024، إلى أول شحنة في مايو 2025، إلى بلوغ هدف الإنتاج في 2025، وصولاً إلى أي أثر ملموس على فاتورة المواطن في 2026 وما بعدها.
الأخطر أن الوزير، وهو يتنقل بين واشنطن وباريس وداكار للمشاركة في مؤتمرات الطاقة ولقاءات الشركاء، لم يقدّم حتى الآن تقريراً مفصلاً واحداً للرأي العام يشرح فيه البنية المالية لعقود الغاز: نسبة استعادة التكاليف، هياكل تقاسم الأرباح، دور SMH الوطنية، وحصة موريتانيا الصافية المتوقَّعة خلال السنوات الخمس والعشرين القادمة. في المقابل، نرى السنغال لا تكتفي بالمشاركة في المؤتمرات، بل تعلن رسمياً أن عقد السلحفاة/آحميم نفسه غير عادل وتفتح الباب لمراجعته، وترسل إشارة واضحة لشركات النفط مفادها أن زمن الصفقات غير المتكافئة يقترب من نهايته. هذا الفارق في السلوك بين داكار ونواكشوط، في نفس المشروع ومع نفس الشركاء، يُسجَّل على حساب وزير الطاقة الموريتاني العاجز بصفته المسؤول الأول عن حماية المصلحة الوطنية في هذا القطاع.
عندما يصبح الغاز الموريتاني عنصراً في أمن الطاقة الأوروبي بفضل موقع الحقل وسهولة توجيه الشحنات نحو أوروبا، كما تشير تقارير الشركات والشركاء، بينما يبقى أمن الطاقة داخل موريتانيا رهينة تقلبات سوق الديزل وصفوف الانتظار أمام المحطات، فإن الخلل ليس تقنياً بل سياسي. هذا الخلل له اسم وتاريخ وقرارات: محمد ولد خالد، وزير الطاقة والبترول منذ منتصف العقد، هو من اختار أن يبني شرعيته المهنية في عيون المستثمرين والمؤتمرات، لا في عيون المواطنين الذين يدفعون ثمن كل لتر من الديزل وكل ساعة انقطاع في الكهرباء. وحين يخرج رئيس وزراء السنغال ليصف العقد المشترك بأنه "مجحف"، ثم لا يسمع الشارع الموريتاني من وزيره سوى الصمت، يكون السؤال مشروعاً: هل تمثل الوزارة الموريتانية شعبها أمام الشركات، أم تمثل الشركات أمام شعبها؟
SULTAN ELBAN سلطان البان
13-03-2026
LÔNDON -CCCU
(1)%20(1).jpg)

.gif)



.gif)





.jpg)
.png)
