صواريخ ترامب «الجميلة الذكية» لن تغير ميزان الحرب في سوريا

أحد, 15/04/2018 - 20:43

ماذا سيحدث بعد معاقبة بشار الأسد على الهجوم الكيميائي في بلدة دوما يوم 7 نيسان (إبريل)؟ وماذا ستفعل أمريكا دونالد ترامب التي كانت تتحدث قبل أسبوع عن خروج قريب لقواتها من سوريا؟ فقد تمت هزيمة تنظيم «الدولة» ولهذا أمر ترامب قادته بالتحضير للخروج وأعطاهم 48 ساعة، وهو ما أدى لذهول بين المسؤولين في البنتاغون الذين أقنعوا الرئيس بأن يؤجل الإنسحاب لستة أشهر. إلا أن الهجوم الكيميائي كشف عن معضلة الرئيس الأمريكي الذي كان يفكر بترك سوريا لدول المنطقة بل وطلب في نهاية العام الماضي من الملك سلمان مساهمة مالية لتحقيق الإستقرار هناك. 
وعملية محددة ضد قصور الأسد ومنشآته العسكرية في دمشق وحمص لن تغير من ميزان الحرب، فلم يعد هناك ما يمنعه من الانتصار بسبب حماته الروس والإيرانيين. لكن مشكلة الرئيس، كما تقول «إيكونوميست» (12/4/2018) أنه لا يعرف ما يريد تحقيقه بل ويقوم ببذر الشكوك حول الأهداف الأمريكية. ففي الوقت الذي كان يتحدث فيه عن الحملة الناجحة ضد تنظيم «الدولة» الإسلامية كان قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جوزيف فوتيل وبريت ماكغيرك، المبعوث الخاص لدول التحالف ضد تنظيم «الدولة» يتحدثان عن وضع مختلف. وقالا إن طرد الجهاديين من مناطقهم التي سيطروا عليها في سوريا لا تعني هزيمة كاملة لهم، فلا يزالون يحتفظون بجيوب لهم في وادي الفرات وقرب الحدود مع العراق. وقال فوتيل إن «المهمة الأصعب أمامنا». وأكد على أهمية تدعيم الإنجازات وتحقيق الاستقرار، ما يعني حاجة لوجود عسكري طويل. وتحتفظ الولايات المتحدة بألفي جندي معظمهم من المهندسين والمستشارين والقوات الخاصة والذين يعملون مع قوات سوريا الديمقراطية، ذات الغالبية الكردية حيث عملت بمساعدة الطيران الأمريكي على طرد الجهاديين. وفي كانون الثاني (يناير) ألقى ريكس تيلرسون وزير الخارجية في حينه خطابا وعد فيه بعدم تكرار أخطاء باراك أوباما في العراق وليبيا. وأكد فيه على أن البقاء الأمريكي سيكون مشروطا وليس محددا بجدول زمني. وهذا يعني بقاء القوات الأمريكية لمرحلة ما بعد هزيمة تنظيم «الدولة». وتحدث عن خمسة أهداف للسياسة الأمريكية في سوريا: منع تنظيم «الدولة» والقاعدة من العودة مرة أخرى، دعم العملية السياسية التي تشرف عليها الأمم المتحدة، ومواجهة التأثير الإيراني، والمساعدة على عودة اللاجئين السوريين وتنظيف سوريا من أسلحة الدمار الشامل. وتبتعد هذه الإستراتيجية عن رؤية ترامب القائمة على تدمير تنظيم «الدولة» والانسحاب سريعا. وقد لقيت رؤية تيلرسون قبولا لدى خبراء السياسة الخارجية مع وجود شكوك حولها. ووصف روبرت فورد، آخر سفير أمريكي لسوريا قبل الثورة الخطة بالجيدة، لكن لا يمكن تحقيقها في ضوء ما هو متوفر من مصادر والواقع على الأرض. وقال فورد إن عناصر تنظيم القاعدة في شمال-غرب سوريا بعيدين عن القوات الأمريكية فيما انهارت كل جولات السلام التي أشرفت عليها الأمم المتحدة، فيما لا تستطيع القوات الأمريكية في الشرق الوقوف أمام تأثير إيران في الغرب من سوريا ولم يظهر الأسد أي رغبة بالتخلي عن استخدام السلاح الكيميائي حيث يجد دعما من روسيا والصين في الأمم المتحدة واللتان تقفان أمام أي جهود لردعه. كل هذا لا يعني التخلي عن المهمة الأمريكية في الشرق، فحتى لو لم يظهر تنظيم «الدولة» فخروج القوات الأمريكية سيخلق فراغا يدفع الإيرانيين والروس لملئه واستعادة المناطق. وستتعامل إيران وبالضرورة روسيا على خروج الأمريكيين من سوريا كمقدمة للانسحاب من العراق وربما من كل الشرق الأوسط. كما وستسارع تركيا بضرب الأكراد وسيختفي كل الاستقرار النسبي الذي جلبه الأمريكيون لمناطق شرق سوريا. ومعه ستفقد الولايات المتحدة أي فرصة لتشكيل مستقبل سوريا. ولا يريد حلفاء أمريكا في المنطقة، خاصة السعودية وإسرائيل جلاء القوات بل زيادتها. كما أن وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي الجديد جون بولتون من دعاة مواجهة إيران لا التنازل لها. وفي الوقت نفسه لا يزال وزير الدفاع جيمس ماتيس ملتزما بإنهاء المهمة ويمكنه إقناع ترامب الذي يتبع ما يعتقد أنه صحيح وما يرى أنه مهم لمصالح قاعدته الشعبية، فلو كان الانسحاب السريع هو ما وعد به فمن المحتمل أن يحدث.
وهناك اشكالية أخرى تؤكدها العملية الأخيرة في سوريا هي أن اللاعبين الثلاثة فيها قرروا إطلاق صواريخهم على دمشق في ظل ضعف آلية منع الحرب والحفاظ على السلام في العالم وهي الأمم المتحدة. وعندما كان يقول انطونيو غويترش، الأمين العام للأمم المتحدة أن الحرب الباردة عادت وبانتقام كان يؤشر إلى ضعف مؤسسته الدولية ومجلس الأمن الذي عسكرت فيه القوى العظمى الفيتو من أجل مصالحها. والخطورة في الأمر أن كلا من ترامب الذي يدير سياسته الخارجية عبر التويتر، وتيريزا ماي التي خسر حزبها المحافظ غالبيته في البرلمان مع إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي تدفعهما المصالح الداخلية، ومشاكلهما التي تخدم الحروب الخارجية في التعمية عليها. وكما قالت صحيفة «نيويورك تايمز» (13/4/2018) فإن الهجوم المنسق ينم عن اسلوب ترامب الذي يتعامل مع العمل العسكري كلعبة والسياسة الخارجية كأسلوب تهكم على الإنترنت، ويعتقد أنه كقائد أعلى للقوات المسلحة يمكنه اتباع رغباته.
وأضافت إن الرد مع ذلك جاء منسقا مع بريطانيا وفرنسا، وقال إنه من أجل «حماية المصالح القومية الحيوية للولايات المتحدة». ولاحظت الصحيفة أن رسالته في بداية الأسبوع كانت أكثر عنجهية لروسيا الداعمة للأسد «استعدي للصواريخ الجميلة الجديدة الذكية» وغيرها ليلة الجمعة بلهجة أكثر هدوءا حيث قال إن الدول تقاس بالصديق الذي تصادقه. وأكد وزير الدفاع ماتيس إن الهجوم كان ردا وحيدا مثل الغارة الجوية العام الماضي على قاعدة عسكرية واستهدف مخازن السلاح الكيميائي، ولكنه حذر من هجمات أخرى لو استخدمت سوريا السلاح الكيميائي. وقالت إن الهجوم الكيميائي الأخير على دوما كان حادثا مريعا، إلا أن ماتيس حاول تأخير الغارات الجوية لأنه شعر بالحاجة لأدلة للتثبت والتأكد من صحة الإتهامات للحكومة السورية. ولكنه في ليلة الجمعة نسب الهجوم الكيميائي لنظام الأسد. وقيل إن ماتيس كان قلقا من إمكانية المواجهة مع الروس والإيرانيين في ساحة حرب تحتشد بالمتنافسين والفصائل والإرهابيين والقوات الأمريكية والقوى الأجنبية. وقال يوم الجمعة إن الغارات اختيرت بعناية لتخفيض مخاطر ضرب قوات غير- سورية. وتقول «نيويورك تايمز»: «إن استعداد ماتيس وقدرته للوقوف أمام صرخات ترامب والحفاظ على الثقة في إدارة تمتلئ بالمتملقين هو الشيء الوحيد الذي يجعل أمريكا تبتعد عن التورط عميقا في عمليات عسكرية غير مخطط لها». وعن قانونية الهجوم الحالي بناء على ميثاق الأمم المتحدة تقول الصحيفة، أن الهجوم مبرر إن كان كحالة للدفاع عن النفس أو بقرار من مجلس الأمن الدولي، فالأول لا ينطبق على هذه الحالة أما الثاني فلا يمكن في ضوء الفيتو الروسي في المجلس. وبناء على الدستور الأمريكي فسلطات الحرب موزعة بين الكونغرس والرئيس. وحسب رأي الخبراء القانونيين أكد الآباء المؤسسين على دور الكونغرس في إصدار قرار الحرب إلا عندما يتعرض البلد للهجوم. ومنذ الحرب العالمية الثانية دفع الرؤساء الأمريكيون باتجاه استخدام سلطتهم التنفيذية وشنوا سلسلة من العمليات العسكرية بدون مصادقة من الكونغرس، وفعل ترامب الشيء نفسه عندما أطلق 59 صاروخ كروز على قاعدة جوية بعد الهجوم على خان شيخون قرب إدلب. إلا أن الكونغرس ومنذ قانون سلطات الحرب عام 1973 والذي من المفترض أن يعطيه السلطة لاستعادة نفوذه من الرئيس كان سجله متناقضا. 
وتوصل خبراء القانون إلى ان الرئيس يمكنه إصدار أمر عسكري حال اعتقد أنه يخدم المصلحة القومية. وهناك استثناءان يتعلقان بغزو أفغانستان عام 2001 بعد هجمات 9/11 ومواجهة تهديد الزعيم العراقي صدام حسين عام 2002. واستخدم الرئيس باراك أوباما وترامب الآن هذين القرارين 37 مرة لتبرير الهجمات على تنظيم «الدولة» وجماعات متشددة أخرى في 14 دولة منها اليمن والفلبين وكينيا وإريتريا والنيجر. وقد سمح للكونغرس الذي يقوده الجمهوريون تجنب النقاش العام حول الحرب وبالضرورة المسؤولية عن إرسال الجنود إلى المعركة. وتحذر الصحيفة قائلة إن التفسيرات لهذا القانون تعطي يدا حرا لأشخاص لا يفكرون مثل ترامب وربما بدا خطيرا لو قرر الهجوم على كوريا الشمالية وإيران.
ورغم الضربة المحدودة التي بدت وكأنها محاولة لتجنب المواجهة مع حلفاء الأسد، إلا أن الخبراء يعتقدون أنها مرحلة تصعيد جديدة. وقد تؤدي إلى دائرة تورط الولايات المتحدة عميقا في النزاع السوري. وحسب الجنرال المتقاعد جيمس دوبيك، الباحث البارز في معهد دراسات الحرب: «في ضوء الرابطة بين روسيا وإيران والأسد، فأي هجوم نعتقد أنه محدود ودقيق يمكن أن يسيء واحد من الأطراف الثلاثة فهمه ويكون مبررا لغاراتهم الإنتقامية» و«عندها ماذا سنفعل؟». وقالت صحيفة «واشنطن بوست» (13/4/201) إن من السيناريوهات المحتملة للرد هجمات إيرانية ضد القوات الأمريكية في سوريا تشنها الجماعات الوكيلة عن إيران. وردود منسقة من خلال غارات الكترونية. كما أن أثر الغارات الأخيرة غير حاسم في منع الأسد الراغب باستعادة السيطرة على كل البلاد وتدعيم ما حققه من إنجازات خلال العام الماضي. ويرى فورد الذي يعمل الآن في معهد الشرق الأوسط وجامعة ييل، أن الأسد سيرتدع عن استخدام السلاح الكيميائي لو أتبعت الولايات المتحدة العمليات بعمليات أخرى حال ارتكاب مجازر جديدة. وقال «لا أعتقد أنه سيكون الهجوم الأخير لو أردت أن تستخدم عصا الردع». وأضاف أن قوات الأسد تستخدم السلاح الكيميائي لعدم توفر القوات اللازمة وقد يحاول الأسد «امتحان»الأمريكيين. إلا أن العملية الأخيرة تأتي في وقت لم تعد فيه الولايات المتحدة معنية برحيل الأسد بقدر ما هي مشغولة بتهيئة جنودها للرحيل. وكما يرى كينث بولاك، المحلل السابق في «سي آي إيه» والباحث في معهد أمريكان إنتربرايز: «طالما كان لديك استراتيجية تترك الأسد في مكانه وتسمح له بقتل شعبه كما يريد فإنه سيفعل هذا» و «وربما استخدم العوامل الكيميائية». وحتى توقف الولايات المتحدة الأسد عن ارتكاب جرائمه يقول فورد «إننا نقترب من سيناريو تغيير النظام لأنه يقصف شعبه كل يوم». و«بالنسبة لي فهذا سيجرنا للحرب ولست واثقا أننا قادرون على التحكم بما سيحدث». وتثير الغارات الجوية أسئلة حول استعداد الولايات المتحدة التحرك عندما يستخدم الأسد السلاح الكيميائي ولكن لا تفعل شيئا عندما يقتل شعبه بأسلحة تقليدية، وهو ما يطرح أسئلة حول الانتقائية في عملية القتل أو كما تقول مارا كارلين، المسؤولة السابقة في إدارة أوباما: «كم هو فظيع أننا نشعر بالغضب على طريقة معينة في قتل الأطفال السوريين ولكن ليس أخرى».
وربما كان الدافع هو أن الأمريكيين يشعرون بالراحة أنهم فعلوا أمرا جيدا، مع أن بولاك يعترض قائلا «لا، فقد قتل 500.000 سوري ولم نفعل شيئا». وفي المحصلة فالغارات الأخيرة هي عرض عن ان السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تتراجع منذ بيل كلينتون، وتميزت بمحاولة كل رئيس محو ما عمله الآخر أي «كلما جاءت أمة لعنت أختها» وانتهت أمريكا بأنها لا تعرف الدور الذي تريد لعبه. وقرأنا كثيرا الأسبوع الماضي عن غياب الخطة والرؤية والهدف والسياسة الواضحة. ففي ظل رئيس تلاحقه الفضائح، فسوريا توفر له فرصة لمخاطبة قاعدته وتجاوز العاصفة. وقيل أن ترامب ألغى رحلة مهمة له إلى أمريكا اللاتينية لمواجهة الأزمة السورية، وفي الحقيقة كما نقلت مجلة «تايم» في عددها الأخير كان معنيا أكثر بما حدث لمحاميه الخاص مايكل كوهين، ومداهمة محققي مكتب التحقيقات الفدرالي مكتبه. ويبدو كما تقول المجلة أن ماضيه يلاحقه ولم يعد يستطيع الفكاك منه. ومن هنا تظل سوريا عرضا جانبيا في عاصفة اسمها «ستورمي».

إبراهيم درويش

جديد الأخبار