با عثمان: "نريد موريتانيا قوية بإرادة شعبها وموحدة في تنوعها"

سبت, 26/09/2026 - 07:11

في هذه المقابلة الحصرية مع صحيفة "لو رينوفاتور"، يقدم الأمين الدائم لحزب الإنصاف في ولاية ترارزة تحليلاً معمقاً لرؤية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. وفي ظل التحولات الجيوسياسية العالمية، يحلل تحديات الحوار الوطني المقبل، والنقاش الدائر حول الإصلاحات الدستورية، وديناميكيات اللامركزية الجديدة.
 

با عثمان: «نريد موريتانيا قوية بإرادة شعبها وخياراته، موحّدة في تنوّعها، ومصمّمة على صون تماسكها الاجتماعي ووحدتها الوطنية»
يشغل با عثمان منصب الأمين الدائم لحزب «الإنصاف» في ولاية الترارزة، ويقدّم في هذا الحوار قراءته لرؤية رئيس الجمهورية ولأبرز التحديات التي تواجهها موريتانيا. ويتناول الحوار الدعوة إلى حوار وطني شامل، والتحولات التي يشهدها النظام الدولي، إلى جانب قضايا المواطنة والعيش المشترك والتحولات الاجتماعية والتنمية المحلية، في إطار رؤية تقوم على الاستمرارية والانفتاح وتعزيز مسؤولية المواطن. 
 

الرنوفاتور: دعا رئيس الجمهورية الموريتانيين إلى طرح سؤال أساسي: «أي موريتانيا نريد؟» كيف تفهمون هذا النداء؟
با عثمان: أفهم هذا النداء، أولاً، باعتباره امتداداً لرؤية ومنهج في الحكم يقومان على الانفتاح والإشراك، سواء على مستوى المبادئ أو على مستوى الممارسة.
وأعتقد أن محطتين أساسيتين من مسيرته تساعدان على فهم هذا التوجه.
المحطة الأولى تعود إلى إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية في مارس 2019. فقد أكد آنذاك أنه لا ينوي إلغاء ما سبق، معترفاً بأن الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد أسهمت، بدرجات متفاوتة، في بناء الدولة والمجتمع.
وتقوم هذه الرؤية على أن موريتانيا ينبغي أن تُبنى بمشاركة جميع أبنائها. وفي هذا السياق أفهم، من بين أمور أخرى، إشارته إلى الرئيس الراحل المختار ولد داداه في خطابه بمدينة أطار يوم 20 سبتمبر الماضي.
أما المحطة الثانية فتعود إلى مهرجان المدن القديمة في وادان، خلال الفترة 2020-2021، حين دعا إلى تجاوز بعض المظاهر التقليدية التي تعيق ممارسة المواطنة وتكرّس هويات فئوية لا تنسجم مع قيم الجمهورية.
وكان يؤكد آنذاك على موريتانيا تقوم على العدالة والإدماج وقبول الآخر والعيش المشترك، وتتجاوز الاعتبارات المرتبطة، على وجه الخصوص، بالمكانة الاجتماعية. فالمواطنة ينبغي أن تكون هي الأساس.
وقد تعزز هذا التوجه أيضاً من خلال «نداء جوول»، الذي ركز على قيم العيش المشترك والجمهورية الوطنية.
ومن ثم، فإن طرحه اليوم لسؤال «أي موريتانيا نريد؟» يندرج، في تقديري، ضمن مسار يرمي إلى ترسيخ الروح الجمهورية والمصلحة العامة فوق الاعتبارات الخاصة.
 

الرنوفاتور: بعيداً عن هذه الرؤية، ما الذي يدفع، في رأيكم، إلى هذا التوجه الرئاسي؟
با عثمان: ينبع هذا التوجه، قبل كل شيء، من طريقة معينة في النظر إلى التحديات التي تواجهها البلاد.
ومن خلال مختلف مداخلاته، أرى انشغالاً مستمراً بمستقبل موريتانيا وبمصيرها في ظل التحولات الاجتماعية والجيوسياسية العميقة التي يشهدها العالم.
ويبدو أن السؤال المركزي يتمثل في نوع الإرث الذي نريد أن نتركه للأجيال القادمة، ولا سيما في ما يتعلق بالتماسك الاجتماعي والعيش المشترك والحفاظ على القيم الأساسية للمجتمع.
وأرى في ذلك تصوراً للحكم يأخذ في الاعتبار الماضي وواقع الحاضر ومتطلبات المستقبل في آن واحد.
كما أن الأمر يتعلق بتعزيز الشعور بالمسؤولية لدى المواطن: قبول الآخر، واحترام القيم المشتركة، وفهم الاختلاف، والمساهمة، كلٌّ من موقعه، في بناء الوطن.
وقد أتاح هذا التوجه، كذلك، فتح مساحة للحوار مع المعارضة، حيث يقر بعض الفاعلين فيها بانفتاح السلطة واستعدادها للاستماع.
ويأتي ذلك أيضاً في سياق دولي أكثر اضطراباً، يشهد تحولات عميقة ومتسارعة. وأمام هذه المتغيرات، ينبغي لكل فرد أن يدرك الدور الذي يمكن أن يؤديه.
كما يضع رئيس الجمهورية النخب أمام مسؤولياتها. فهذه النخب تمثل، إلى حد ما، ضمير المجتمع، وعليها أن تفكر في التحديات الاجتماعية والسياسية التي تواجه البلاد، وكذلك في تداعيات إعادة تشكيل النظام الدولي.
أي موريتانيا نريد أن نبني حتى نحافظ على سيادتنا بمختلف أبعادها؟ إن الأمر يتعلق أيضاً بدعوة إلى استباق التحولات والاستعداد لها، بدل انتظار وقوعها ثم التعامل مع تداعياتها.
 

الرنوفاتور: عملياً، كيف ينبغي أن تكون موريتانيا التي تطمحون إليها؟
با عثمان: بصفتي مناضلاً في الحزب، أرى أن البرنامجين الانتخابيين لرئيس الجمهورية، «تعهداتي» و«طموحي لموريتانيا»، يتضمنان بالفعل عدداً من عناصر الإجابة عن هذا السؤال.
نريد موريتانيا قوية بإرادة شعبها وخياراته، موحّدة في تنوّعها، ومصمّمة على صون تماسكها الاجتماعي ووحدتها الوطنية.
نريد موريتانيا يسود فيها العيش المشترك، وتتجاوز المظاهر الاجتماعية السلبية، ويتمتع فيها المواطن بحقوق المواطنة كاملة، وتُصان فيها القيم التي يقوم عليها مجتمعنا وتعزَّز.
ونريد أيضاً بلداً قادراً على تثمين موارده الطبيعية وتحويلها إلى قيمة مضافة، بما يضمن تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
نريد موريتانيا تصبح فيها تكافؤ الفرص واقعاً ملموساً، ولا سيما من خلال ضمان تعليم جيد ومتاح للجميع. وهذا تحديداً أحد الأهداف الأساسية للمدرسة الجمهورية.
وهذه التوجهات مدرجة، في جوهرها، ضمن البرنامجين الرئاسيين. ومن هذا المنطلق يدعو رئيس الجمهورية الموريتانيين اليوم إلى التفكير في البلد الذي يريدون بناءه معاً.
وينبغي للحوار الوطني المرتقب أن يتيح للطبقة السياسية والنخب ومختلف المواطنين التفكير في الإصلاحات والتطورات اللازمة لنموذجنا في الحكم، بما يجعله أكثر قدرة على مواكبة تحولات العالم، مع الحفاظ على طموحاتنا الوطنية.
وفي أي نظام ديمقراطي، ينبغي أن يظل الشعب صاحب الكلمة في التغييرات الرامية إلى دفع البلاد إلى الأمام، وأن يكون في الوقت نفسه المستفيد الأول منها. ولا ينبغي أن يتحول إلى رهينة للخلافات السياسية بين أطراف قد تتغير مواقفها وتصوراتها تبعاً للظروف.
وفي كثير من بلدان العالم، تواجه المؤسسات والسياسات العمومية اليوم ضرورة التكيف مع واقع جديد. وموريتانيا لا يمكنها أن تبقى خارج هذا المسار من التفكير والتكيّف.
 

الرنوفاتور: طُرحت في الآونة الأخيرة مسألة الإصلاحات الدستورية بقوة في النقاش العام. كيف تنظرون إليها بصفتكم فاعلاً سياسياً؟
با عثمان: أفضل، بكل تواضع، أن أجيب عن هذا السؤال بصفتي مواطناً. هناك أصوات تتهم بعض أحزاب الأغلبية بالسعي إلى إدخال مسألة الإصلاحات الدستورية في النقاش السياسي. وأقول لمن يطرحون هذه المسألة: هل ظل دستورنا دون تغيير منذ الاستقلال؟
 لا. فقد عرف الدستور تعديلات عدة. ومن هنا ينبغي طرح سؤال آخر: ما الأسباب التي أدت إلى تلك التعديلات؟ لقد جاءت، من بين أمور أخرى، استجابة للحاجة إلى مواءمة القانون الأساسي مع تطور المجتمع، والبحث عن توافقات بشأن بعض القضايا ذات المصلحة العامة.
فهل نحن مجتمع جامد أم مجتمع متحرك؟ هذا سؤال ينبغي لكل واحد منا أن يطرحه على نفسه.
وبعيداً عن مسألة المأموريات، هناك مواطنون يتساءلون عن سبب بقاء الدستور دون تغيير، في حين يرى آخرون أن مراجعته قد تكون ضرورية لمواكبة تطورات المجتمع ومتطلبات العيش المشترك.
بل إن البعض ذهب إلى طرح فكرة وضع دستور جديد يكون أكثر تعبيراً عن تاريخنا ومسارنا الوطني، في إطار تصور لإعادة تأسيس الدولة والمجتمع على أسس جديدة.
ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن بعض مقترحات الإصلاح تصدر عن أطراف في المعارضة. وهذه آراء تُطرح في الفضاء العام، ومن الطبيعي أن يكون التعبير عنها مشروعاً في مجتمع ديمقراطي.
وللسلطة والطبقة السياسية، بطبيعة الحال، دور في أي مسار للإصلاح الدستوري. غير أن الشعب يظل صاحب السيادة، والمرجع في القضايا الدستورية. ومن هذا المنظور ينبغي النظر إلى هذا النقاش.
وعلى مستوى حزب «الإنصاف»، نحن منخرطون في التحضير للحوار الوطني. ونستمع إلى انشغالات قواعدنا، ولدينا خارطة طريق ستُطرح للنقاش مع بقية أحزاب الأغلبية.
 

الرنوفاتور: في ختام هذا الحوار، ننتقل إلى التنمية المحلية والمشاورات الجهوية التي أطلقتها الحكومة. ما تقييمكم لهذه التجربة؟
با عثمان: أرى فيها تجسيداً عملياً لرؤية تقوم على حكامة أكثر انفتاحاً وإشراكاً. إن اعتماد البرامج الجهوية يشكل، في حد ذاته، نوعاً من تعزيز مسؤولية السلطات والهيئات المحلية. كما تتيح المشاورات الجهوية للسكان فرصة التعبير مباشرة عن انشغالاتهم وتحديد أولوياتهم في مجال التنمية.
وبعيداً عن الاستثمارات الموجهة إلى البنى التحتية الأساسية، من طرق وزراعة وطاقة وتعليم وصحة، تكمن أهمية هذه المقاربة، قبل كل شيء، في إتاحة المجال للسلطات المحلية والمواطنين للمشاركة في تحديد أولويات مناطقهم.
وهذا يمثل تحولاً مهماً في طريقة مقاربة التنمية المحلية.فبلادنا تمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة، لكنها لا تزال غير مستغلة بالقدر الكافي، بسبب بعض أوجه القصور في الحكامة المحلية، إلى جانب ممارسات ينبغي تجاوزها.
ومن ثم، لا بد من استعادة ثقة المواطن وتمكينه من المشاركة الفعلية في تحديد النموذج التنموي لبلديته أو جهته.
وينبغي أن تجتمع البلديات والمجالس الجهوية والفاعلون الاقتصاديون ومنظمات المجتمع المدني حول طاولة واحدة، من أجل تحديد أولويات مناطقهم بصورة تشاركية.
وبطبيعة الحال، لا تزال هذه الدينامية بحاجة إلى مزيد من التطوير. ولا يمكن إنجاز كل شيء دفعة واحدة. لكن الإرادة والعمل الجاد كفيلان بتحقيق تقدم تدريجي.
وأود كذلك أن أشيد بسرعة العمل والدينامية التي تبديها الحكومة، تحت إشراف معالي الوزير الأول، في مواكبة هذا المسار والمساهمة في تحويل الرؤية الرئاسية في مجال الحكامة إلى خطوات عملية.
وهذا هو أيضاً ما يعمل عليه حزب «الإنصاف» خلال الفترة الأخيرة، تحت قيادة محمد ولد بلال مسعود، من خلال مواكبة توجهات رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، وشرحها وتقريبها من المواطنين، والمساهمة في دعم تنفيذها من طرف الحكومة.
ويسعى حزب «الإنصاف» من خلال ذلك إلى استيعاب رهانات هذه المرحلة والمساهمة في ترسيخ حضوره ودوره على المستوى الوطني.

جديد الأخبار